مقالات وآراء

د. سامح مسلم يكتب: الرجل الذي لم يمت

هل تقف يد خفية داخل قلب النظام الإيراني وراء سلسلة الاغتيالات التي هزّت المنطقة؟

منذ سنوات، والشرق الأوسط لا يشهد مجرد حرب صواريخ وطائرات مسيرة، بل ما هو أخطر: حرب أشباح.
حرب لا يُرى فيها القاتل، لكن تُرى بصمته في كل مرة.
اسم يسقط هنا، وآخر هناك، واجتماع سري يُقصف بدقة، وقائد يُغتال بعد ساعات من تعيينه، وعالم نووي يُصفّى كما لو أن تحركاته مكتوبة سلفًا في ملف مفتوح على مكتب خصمه.

في الظاهر، تبدو هذه الوقائع انتصارات استخباراتية متفرقة.
لكن حين توضع كلها على خط زمني واحد، فإنها تبدأ في قول شيء آخر تمامًا:
هناك من يفتح الأبواب من الداخل.

ما يُطرح هنا ليس اتهامًا قضائيًا، ولا ادعاء بامتلاك وثيقة منشورة تكشف الاسم.
إنها فرضية تفسيرية، ربما تكون الأكثر تماسكًا لفهم هذا السيل المتتابع من الاغتيالات التي ضربت قلب إيران ومحورها الإقليمي من دمشق إلى بيروت، ومن بغداد إلى طهران.

الفكرة ببساطة شديدة في ظاهرها، مرعبة في عمقها:
قد لا تكون إسرائيل والولايات المتحدة قد اخترقتا إيران من الخارج فقط، بل ربما تعملان منذ سنوات عبر عقدة بشرية داخلية، أو شبكة صغيرة يقودها شخص بالغ القرب من مركز القرار، يعرف من يجتمع، ومن يتحرك، ومن يختبئ، ومن سيرث من إذا سقط.

إن صح هذا التصور، فإن ما نراه ليس فقط اغتيالات ناجحة، بل إعادة هندسة كاملة لهرم السلطة بالنار والمعلومة.

من دمشق بدأ الخيط يتضح

بعد عملية 7 أكتوبر، بدأت الضربات تأخذ طابعًا مختلفًا.
لم تعد المسألة ضربات ردع تقليدية أو رسائل عسكرية.
في 1 أبريل 2024، ضُرب مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، وقُتل فيه محمد رضا زاهدي وآخرون من قادة الحرس الثوري وفيلق القدس. استهداف اجتماع من هذا المستوى داخل مجمع دبلوماسي محصن سياسيًا وأمنيًا لا يوحي فقط بقدرة على القصف، بل بقدرة على المعرفة: من في الداخل، ومتى اجتمعوا، ولماذا كانوا هناك.

في تلك اللحظة، بدأ السؤال الحقيقي:
هل المسألة مجرد مراقبة خارجية متطورة؟
أم أن شخصًا ما داخل المنظومة نفسها يرسل الخريطة كاملة؟

في لبنان… من بنك أهداف إلى بنك خلافة

ثم جاء لبنان.

اغتيال صالح العاروري في الضاحية، ثم توالي استهدافات قيادات حزب الله وحماس في بيئات يفترض أنها من الأكثر إغلاقًا وحذرًا.
ثم جاء اغتيال حسن نصر الله، وهو الحدث الذي لم يكن مجرد ضربة ضد قائد، بل ضربة ضد قلب البنية الرمزية والتنظيمية لمحور كامل. وبعد مقتله، تحدثت تقارير عن تحقيقات وشكوك داخلية إيرانية في احتمال وجود اختراق إسرائيلي على مستويات عليا.

هنا لا يعود السؤال: كيف عرفوا مكان الرجل؟
بل يصبح:
كيف عرفوا أيضًا من حوله، وماذا كان يناقش، ومن يحيط به، ومن يمكن أن يأتي بعده؟

فاللافت في هذه السلسلة ليس فقط أن القيادات تُقتل، بل أن البدائل نفسها تبدو مكشوفة.
يُعيَّن الرجل، ثم يُقتل.
يختفي الاسم الأول، فيظهر الثاني، فلا يلبث طويلًا.
وكأن هناك من لا يراقب الأشخاص فقط، بل يقرأ خريطة التعاقب القيادي من داخلها.

من سليماني إلى ما بعده: من قصف الرأس إلى التحكم في الجسد

عندما اغتيل قاسم سليماني في يناير 2020، بدا الحدث وقتها ضربة أمريكية استثنائية ضد رجل استثنائي.
لكن مع مرور الزمن، يمكن إعادة قراءته لا كحادثة منفردة، بل كبداية طور جديد:
طور لا يستهدف مجرد إضعاف المحور الإيراني، بل تفكيك مركزه العصبي.

في الظاهر، تولى إسماعيل قاآني القيادة.
لكن ما الذي يعنيه أن يُقتل سليماني، ثم يُقتل من بعده زاهدي، ثم يُقتل نصر الله، ثم تتسع الدائرة إلى العلماء النوويين، ثم إلى القادة العسكريين الكبار، ثم إلى شخصيات أعلى وأعلى؟
إنه لا يبدو كاستهداف عشوائي للأسماء البارزة، بل كعمل من يعرف أيّ العقد إذا قُطعت، ارتبك الجسد كله.

في يونيو 2025، قُتل عدد من كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين في ضربات متزامنة، في نمط يكشف عن معرفة شديدة الدقة بالبنية الداخلية للمنظومة العسكرية والعلمية.
رويترز وصفت هذه الضربات ضمن سلسلة أوسع استهدفت القيادات والعقول المرتبطة بالبرنامج النووي والأمن القومي الإيراني.

هذه ليست مجرد قائمة أهداف.
هذه تبدو أقرب إلى خريطة أعصاب.

اغتيال العلماء… النمط الذي لا يخطئ

قبل أن تصل النار إلى رأس الدولة، كانت قد مرت طويلًا على العلماء النوويين.

على مدى سنوات، تكرر استهداف علماء إيران النوويين واحدًا تلو الآخر: من اغتيالات 2010–2012، إلى اغتيال محسن فخري زاده في 2020، ثم استهداف علماء آخرين في موجات لاحقة.
هذا الامتداد الزمني لا يعكس مجرد قدرة على التنفيذ، بل قدرة على الحفاظ على الاختراق وتحديثه.

فالعالم النووي ليس قائد ميليشيا في جبهة مفتوحة.
إنه يتحرك داخل طبقات من السرية، ويتعامل معه النظام باعتباره من “الأصول السيادية”.
وحين يسقط هؤلاء بهذا التتابع، فذلك يعني أن يدًا ما لا تعرف الأسماء فحسب، بل تعرف نمط الحماية، مسارات التنقل، مستويات الإخفاء، ومن يملك حق الوصول إليهم.

إنها ليست مطاردة، بل معرفة سابقة.

عندما تعرف الدولة أنها مخترقة… ولا تنجح في اقتلاع الخنجر

الأخطر أن الإيرانيين أنفسهم تصرفوا خلال السنوات الأخيرة وكأنهم يعلمون أن هناك اختراقًا داخليًا عميقًا.
أعلنوا مرارًا اعتقال أشخاص بتهم العمل للموساد، وأعدموا متهمين بالتجسس، وفي مارس 2026 تحدثت تقارير عن اعتقال 97 شخصًا بتهم الارتباط بإسرائيل. هذا السلوك الرسمي لا يصدر عن دولة تتوهم الخطر، بل عن دولة تراه ولا تستطيع إنهاءه.

هنا تظهر دلالة مهمة جدًا:
إذا كانت الدولة تعرف أنها مخترقة، وتحقق، وتعتقل، وتعدم، ثم تستمر الاغتيالات الدقيقة كما هي، فالمشكلة لم تعد “خلية صغيرة” في الأطراف، بل شيء أعمق بكثير.

إما أن الاختراق متعدد المستويات إلى درجة مرعبة،
أو أن في داخل القمة نفسها من يملك مفتاح اللعبة.

خامنئي… عندما تصل اليد إلى أعلى نقطة في الهرم

ثم وصلنا إلى النقطة التي تجعل كل الفرضيات السابقة أقل خيالًا مما تبدو.

بحسب تقارير حديثة، قُتل علي خامنئي في الضربة الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة في 28 فبراير 2026، في تطور مثّل انتقالًا نوعيًا من استهداف الأطراف إلى استهداف الرأس نفسه.
ثم أعقب ذلك مقتل شخصيات مركزية أخرى، بينها علي لاريجاني، في لحظة كانت إيران فيها تعيش أخطر فراغ قيادي في تاريخها الحديث.

هنا يجب التوقف طويلًا.

فاستهداف خامنئي ليس قتل رجل فقط، بل قتل المكان الذي تلتقي عنده كل الخيوط:
الشرعية الدينية، القرار العسكري، موازين الأجنحة، شبكة الورثة المحتملين، وحدود التفاوض والحرب.

إذا وصلت المعلومة إلى هناك، فهذا يعني أن من يسرّبها ليس شخصًا يراقب من بعيد.
بل شخص يعرف كيف تُدار الغرفة من الداخل.

ثم إذا أُتبع ذلك باغتيال لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه باعتباره من أكثر رجال النظام قدرة على إدارة الدولة في لحظة الاضطراب، فإن السؤال يصبح أشد قسوة:
هل كانت الضربات تُسقط الخصوم فقط،

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى