ذاكرة التاريخ

قصة سمعان صيدناوي.. رجل سوري صنع إمبراطورية تجارية في مصر وخلّد اسمه بمستشفى إنساني افتتحه الملك فاروق

جسد سمعان صيدناوي نموذجًا فريدًا لرجل عصامي جاء إلى مصر مهاجرًا، فصنع نجاحًا اقتصاديًا لافتًا، وترك بصمة إنسانية خالدة بتأسيس مستشفى حمل اسمه، افتتحه الملك فاروق عام 1941 تخليدًا لمسيرته وعطائه.

بدأت رحلة سمعان صيدناوي في مصر عام 1870، حين التحق بالعمل في أحد متاجر منطقة الحمزاوي، قبل أن يؤسس مع شقيقه سليم متجرًا صغيرًا، كان النواة الأولى لمؤسسة “صيدناوي” التجارية، التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أشهر العلامات التجارية في القاهرة ومدن الأقاليم.

من دكان صغير إلى صرح تجاري كبير

ومع مرور الوقت، توسع نشاط الأخوين، فانتقلا من الحمزاوي إلى الموسكي، ثم إلى ميدان الخازندار، حيث تأسست “دار صيدناوي الأم”، التي أصبحت مقصدًا لمختلف فئات المجتمع، في واحدة من أبرز قصص النجاح التجاري في مصر خلال تلك الفترة.

رحلة حياة امتدت 60 عامًا من العمل والعطاء

أمضى سمعان صيدناوي نحو 60 عامًا في مصر، حتى وفاته عام 1936، وترك خلفه سيرة حافلة بالاجتهاد والالتزام، حيث عُرف بأخلاقه واستقامته، إلى جانب دوره البارز في العمل الخيري، إذ كان من أصحاب الأيادي البيضاء، يمد يد العون للفقراء والعائلات المحتاجة، ويقدم التبرعات للجمعيات الخيرية في صمت.

مستشفى صيدناوي.. مشروع إنساني بتصميم فاخر

بعد وفاته، قرر أبناؤه تخليد ذكراه من خلال مشروع إنساني، فقاموا بتشييد مستشفى يحمل اسمه في شارع نوبار (شارع الجمهورية حاليًا)، في موقع كان يشغله سابقًا قصر يعقوب باشا أرتين، ثم تحول إلى فندق قبل هدمه.

وقد افتتح الملك فاروق المستشفى في 5 مايو 1941، بعد أن اكتمل بناؤه على يد الورثة، ليصبح واحدًا من أبرز المشروعات الطبية في ذلك الوقت.

مستشفى بتقنيات متقدمة وتكلفة ضخمة

تميز المستشفى بتصميم فاخر أشبه بالقصور، وبلغت تكلفة إنشائه نحو 43 ألف جنيه، رغم أنه لم يضم سوى 42 سريرًا، وهو ما يعكس حجم الإنفاق الكبير على جودة البناء والتجهيز.

كما تم جلب أساسات المستشفى من سويسرا، وصُنعت بعض مكوناته في بولونيا، إضافة إلى تزويده بأنظمة تكييف هواء وتقنيات حديثة جعلته من أكثر المستشفيات تطورًا في عصره.

تكريم ملكي تقديرًا للعطاء الإنساني

وفي تقدير لهذا العمل الإنساني، منح الملك فاروق أوسمة رفيعة لأبناء سمعان صيدناوي، حيث حصل يوسف سمعان صيدناوي على رتبة “باشا”، فيما مُنح إلياس صيدناوي لقب “بك”، تكريمًا لدورهم في إنشاء هذا الصرح الطبي.

كما قام آل صيدناوي بتسليم إدارة المستشفى إلى جمعية الهلال الأحمر، تأكيدًا على رسالته الإنسانية في خدمة المرضى، خاصة من الفقراء والمحتاجين.

إرث اقتصادي وإنساني باقٍ في الذاكرة

تمثل قصة سمعان صيدناوي واحدة من أبرز نماذج النجاح للمهاجرين الذين ساهموا في بناء الاقتصاد المصري، حيث جمع بين النجاح التجاري والعمل الخيري، وترك إرثًا لا يزال حاضرًا في الذاكرة، يجسد قيمة العطاء والإنجاز.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى