مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: القابلية للاستحمار: كيف يُعاد تشكيل وعي الضحية ليُبرر مشروع الإبادة؟

ثمة خلل عميق يتسلل إلى وعي الأمم في لحظات ضعفها التاريخي، لا يظهر في صورة هزيمة مباشرة، بل في صورة أكثر تعقيدًا، حيث يُعاد تشكيل إدراكها للواقع بحيث تختل قدرتها على التمييز بين مستويات التهديد، وبين الخطر الوجودي والخلافات الإقليمية. هذا الخلل يمكن توصيفه بما يمكن أن نسميه “القابلية للاستحمار”، وهي حالة لا تقتصر على المجال السياسي، بل تمتد إلى البنية الثقافية والعقائدية والإعلامية، فتُنتج وعيًا مشوشًا يعيد تفسير الوقائع بما يخدم سرديات مهيمنة.

في هذا السياق، لا تعود المشكلة مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تتحول إلى أزمة في بنية الإدراك ذاتها. إذ يتم إعادة ترتيب الأولويات داخل وعي الفرد والجماعة، بحيث يُقدَّم الخطر القريب أو الصراع الإقليمي بوصفه التهديد الأبرز، بينما يُعاد توصيف المشاريع ذات الطابع الإبادي بوصفها خيارات اضطرارية أو تحالفات مرحلية. وهنا يكمن جوهر الإشكال: ليس في الموقف بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُبنى بها هذا الموقف، وفي الإطار المرجعي الذي يُحدد ما يُعد خطرًا وما يُعد تفصيلاً.

إن أخطر ما في هذه الحالة أنها لا تُفرض بالقوة، بل تُزرع تدريجيًا عبر ما يمكن وصفه بـ “هندسة الوعي”، حيث تتكامل أدوار الإعلام والخطاب الثقافي وبعض الأطر الفكرية في إعادة صياغة المفاهيم، بحيث يُعاد تقديم التبعية في صورة واقعية، والاستسلام في صورة عقلانية، بينما تُصوَّر مقاومة الهيمنة بوصفها مخاطرة غير محسوبة. ومع تكرار هذا النمط، لا يتغير الموقف فقط، بل تتغير معايير الحكم ذاتها.

وفي هذا الإطار، يظهر أحد تجليات هذه الظاهرة فيما يمكن تسميته بـ “القابلية للاستحمار السياسي”، حيث تنعكس هذه البنية الإدراكية في مواقف وخطابات تعيد توصيف الفاعلين في المشهد، وتعيد ترتيب الأولويات بطريقة قد تؤدي إلى تبرير ممارسات عنيفة أو تجاهلها، تحت ضغط مقارنات غير منضبطة بين مستويات مختلفة من التهديد.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في بعض الخطابات الإعلامية التي تميل إلى تضخيم خطر الصراعات الإقليمية، بما تحمله من تدخلات وأدوات خشنة، إلى حد وضعها في مرتبة واحدة مع مشاريع تقوم على الإقصاء والإحلال، أو التعامل مع هذه المشاريع بوصفها خيارًا أقل كلفة أو أكثر واقعية. هذا النمط من الطرح لا يعكس فقط موقفًا سياسيًا، بل يكشف عن خلل أعمق في ترتيب الأولويات داخل الوعي.

ولا يمكن تناول هذه الظاهرة دون الاعتراف بتعقيد الواقع الإقليمي، وما شهده من صراعات نفوذ معقدة، استُخدمت فيها أدوات متعددة، اتسم بعضها بالخشونة وأثر بشكل مباشر على استقرار عدد من الدول والمجتمعات. غير أن الإشكال لا يكمن في إدراك هذا الواقع أو نقده، بل في تحويله إلى معيار وحيد للحكم على مجمل المشهد، بما يؤدي إلى اختلال في ترتيب الأولويات، ويُنتج قراءات مبتورة للواقع.

إن مغالطة المساواة بين صراع نفوذ إقليمي معقّد، بكل ما يحمله من تدخلات وأدوات ضغط، وبين مشروع يقوم على منطق الإقصاء والإحلال، تمثل أحد أخطر مخرجات هذا الانحراف الإدراكي. فلكل نوع من الصراعات منطقه وأدواته وحدوده، وغياب هذا التمييز لا يؤدي فقط إلى سوء التقدير، بل إلى إعادة تعريف الخطر الحقيقي على نحو يُفقد المجتمعات قدرتها على اتخاذ موقف متزن.

ولا يمكن فهم هذه الحالة بمعزل عن السياق الدولي، حيث تتكامل منظومات إعلامية ومعرفية عابرة للحدود في إعادة تشكيل الإدراك الجمعي، عبر ترتيب الأولويات وتوجيه الانتباه، بما يخدم توازنات القوة القائمة. في هذا السياق، لا يعود الانحراف في الوعي مسألة فردية، بل نتيجة تفاعل مع بيئة معرفية موجهة، تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

كما تلعب سيكولوجية الإنسان تحت الضغط دورًا مهمًا، حيث يميل البعض إلى البحث عن الأمان في التماهي مع القوة الغالبة، حتى لو كان ذلك على حساب الموقف الأخلاقي أو المصلحة بعيدة المدى. وهنا يتحول التبرير إلى آلية دفاع نفسي، ويُعاد إنتاج الخطاب المهيمن بوصفه قراءة واقعية للمشهد، لا باعتباره نتاجًا لميزان قوة مختل.

غير أن استمرار هذا النمط من التفكير يؤدي إلى إضعاف المناعة الفكرية للمجتمعات، ويجعلها أكثر قابلية لإعادة التشكيل وفق سرديات خارجية، وهو ما يحول معركة الوعي إلى مسألة تتجاوز النخب، لتصبح قضية تمس استقرار المجتمعات ومستقبلها.

وفي هذا السياق، تظل فلسطين، بما تمثله من مركزية في الصراع، معيارًا كاشفًا لطبيعة المواقف، ليس فقط بوصفها قضية إنسانية، بل باعتبارها اختبارًا لبوصلة الوعي، وقدرته على التمييز بين الحق في الوجود وممارسات تنفي هذا الحق.

فالعدل ليس خيارًا سياسيًا، بل معيارًا يُقاس به صدق الوعي ذاته.

وختامًا، فإن القابلية للاستحمار ليست حالة ثابتة، بل ظاهرة قابلة للفهم والتفكيك متى ما استعاد العقل استقلاله، وتحرر من الأنماط الجاهزة في تفسير الواقع. وإن إنصافنا للقضية المركزية لا يعني بأي حال إغفال معاناة المظلومين في أي بقعة من بقاع أمتنا الإسلامية؛ فنحن نرفض الظلم أيًّا كان منشؤه وأيًا كان ضحيته، سواء في الخليج أو إيران أو غيرهما، انطلاقًا من المبدأ الرباني الخالد: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. إننا لا نرى المشهد بعين واحدة، بل بعين العدل التي تنبذ التبعية وتنتصر للمظلوم، {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}.

إسلام الغمري

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى