
لم يعد التعليم الفني ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله أو التعامل معه بوصفه مسارًا بديلًا لمن لم يحالفهم الحظ في التعليم العام، بل أصبح أحد أعمدة الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وركيزة لا غنى عنها لأي مشروع نهضوي حقيقي يسعى لبناء اقتصاد إنتاجي تنافسي.
تكشف المؤشرات الرسمية أن نسبة كبيرة من خريجي التعليم الفني لا يجدون فرص عمل مناسبة لتخصصاتهم، بينما تعاني قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات من نقص حاد في العمالة المؤهلة، بما يعكس خللًا هيكليًا واضحًا بين العرض التعليمي والطلب في سوق العمل، وهو خلل يتنافى مع نص المادة (19) من الدستور المصري التي تُلزم الدولة بربط التعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل.
تعاني منظومة التعليم الفني من تراجع جودة المناهج، وغياب التدريب العملي الحقيقي، وضعف البنية التحتية للمدارس الفنية، فضلًا عن نقص الكوادر المؤهلة للتدريس والتدريب، بما يجعل كثيرًا من المؤسسات التعليمية أقرب إلى بيئات تلقينية لا تُنتج مهارة ولا تُعزّز إبداعًا.
تترسخ نظرة مجتمعية سلبية تجاه التعليم الفني، نتيجة عقود من التهميش وسوء التخطيط، رغم أن التجارب الدولية الناجحة – في ألمانيا وكوريا الجنوبية وغيرها – قامت على تعظيم هذا المسار وربطه مباشرة بالصناعة والإنتاج، بما خلق طبقة وسطى قوية قائمة على المهارة لا على الشهادة.
تتطلب هذه الأزمة مقاربة شاملة، تبدأ بإعادة تعريف فلسفة التعليم الفني، باعتباره استثمارًا في رأس المال البشري، لا مجرد مسار تعليمي موازٍ، وتنتهي ببناء منظومة متكاملة تضمن الانتقال السلس من التعليم إلى العمل.
يدعو حزب غد الثورة إلى إعادة تصميم المناهج الفنية وفقًا لمتطلبات الاقتصاد الحديث، مع التركيز على المهارات الرقمية، والتقنيات الصناعية المتقدمة، والوظائف المستقبلية، بما يواكب التحولات العالمية في سوق العمل.
يؤكد الحزب ضرورة بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، تقوم على التدريب التبادلي، وربط المدارس والمراكز الفنية بالمصانع والشركات، بما يضمن اكتساب الطلاب خبرات عملية حقيقية، ويعزز فرص التوظيف المباشر عقب التخرج.
يطالب الحزب بزيادة مخصصات التعليم الفني في الموازنة العامة، تنفيذًا للمادة (18) من الدستور التي تلزم الدولة بتخصيص نسبة كافية من الإنفاق الحكومي للتعليم، بما يسمح بتحديث البنية التحتية، وتوفير المعدات الحديثة، وتحسين أوضاع المعلمين والمدربين.
يشدد الحزب على أهمية إطلاق حملة وطنية لتغيير الصورة الذهنية للتعليم الفني، عبر الإعلام والمؤسسات التعليمية، بما يعيد الاعتبار للمهارة والعمل اليدوي، ويربط النجاح المجتمعي بالإنتاج لا بالمظاهر الشكلية.
يؤمن حزب غد الثورة أن إصلاح التعليم الفني ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية تفرضها التحديات الاقتصادية، وأن الاستثمار في المهارة هو الطريق الأقصر نحو تقليل البطالة، وزيادة الإنتاج، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
تمثل هذه الرؤية جزءًا من التزام الحزب ببناء دولة حديثة تقوم على الكفاءة والفرص المتكافئة، حيث لا يُقصى شاب بسبب مساره التعليمي، ولا تُهدر طاقات وطن بسبب سوء التخطيط.
رئيس حزب غد الثورة الليبرالي المصري
د. أيمن نور







