مقالات وآراء

اياد الحسن يكتب: إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. ولبنان بين فكي الصراع الإقليمي

​في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة جديدة من الصراعات المركبة، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع التوترات الإقليمية، لتُنتج مشهداً شديد التعقيد، قد يكون لبنان أحد أبرز ساحاته.
​تشير العديد من التحليلات السياسية، الصادرة عن مراكز دراسات غربية وتصريحات غير مباشرة لمسؤولين دوليين، إلى أن هناك توجهاً لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة عبر دفع العالم العربي إلى مواجهة مفتوحة أو غير مباشرة مع إيران. هذا التوجه، بحسب هذه القراءات، لا يأتي بمعزل عن مصالح استراتيجية أوسع، تتعلق بإعادة ترتيب النفوذ، وإنهاك الأطراف الإقليمية، وخلق بيئة تسمح بإعادة رسم الخرائط السياسية والأمنية.
​من جهة أخرى، يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية حديث متزايد عن “حروب وظيفية”، وهي صراعات يتم إشعالها أو تغذيتها بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية وعسكرية، خصوصاً في ظل ما تمثله المنطقة من سوق ضخم للسلاح، ومصدر دائم للتوتر الذي يبرر استمرار التدخل الخارجي.
​وعلى صعيد متصل، لا يمكن فصل هذا الدفع نحو المواجهة عن المشاريع التوسعية والأطماع الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. فالمخططات الرامية لإضعاف القوى الإقليمية المناهضة لا تهدف فقط إلى ضبط الأمن، بل تسعى لتأمين ممرات حيوية للطاقة، والسيطرة على ثروات الغاز في شرق المتوسط، وفتح أسواق المنطقة أمام هيمنة اقتصادية مطلقة. إن دفع الأطراف العربية نحو صراعات استنزافية يخدم بالدرجة الأولى رؤية “الشرق الأوسط الجديد” التي تتبناها واشنطن، والتي تضمن تفوق إسرائيل الاستراتيجي وتمدد نفوذها الاقتصادي، عبر تحويل المنطقة من فضاء للتكامل العربي إلى كانتونات متصارعة يسهل التحكم في مواردها وقرارها السيادي.
​في هذا السياق، يبرز لبنان كحلقة ضعيفة ومعرضة للاهتزاز. فالوضع الداخلي الهش، والانقسام السياسي الحاد، والأزمة الاقتصادية الخانقة، كلها عوامل تجعل من الساحة اللبنانية بيئة خصبة لأي سيناريو تصعيدي. وقد حذر عدد من المحللين، في مقالات منشورة وتقارير سياسية، من خطر انزلاق لبنان إلى صراع داخلي جديد، خاصة إذا تم دفع بعض الأطراف إلى مواجهات داخلية تحت عناوين سياسية أو سيادية.
​كما تم تداول تصريحات منسوبة لبعض سياسيي المنطقة، تتحدث عن ضرورة “إعادة ضبط الوضع في لبنان” و”حصر السلاح بيد الدولة”، وهي عناوين تبدو في ظاهرها سيادية، لكنها تُفسر في بعض الأوساط على أنها جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية بالقوة أو بالضغط الخارجي.
​أحد أخطر السيناريوهات التي يتم التحذير منها، هو دفع أحد الأطراف الرئيسية في لبنان إلى اتخاذ خطوات تصعيدية داخلية، مثل الانخراط في صدام مباشر مع مكونات لبنانية أخرى، تحت ضغط سياسي أو إقليمي. في هذه الحالة، يرى بعض المحللين أن ذلك قد يُستخدم كذريعة لتدخلات أوسع، أو حتى لإعادة رسم المشهد الأمني بالكامل، بما قد يفتح الباب أمام قوى خارجية أو إقليمية للدخول على خط الأزمة بشكل مباشر.
​وفي قراءة أكثر تخصيصاً للمشهد اللبناني، تبرز محاولات حثيثة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وبدعم من بعض الأنظمة العربية، لجرّ الجانب السوري مجدداً ليكون طرفاً مباشراً في الصراع الداخلي اللبناني، ولكن بتموضع مغاير هذه المرة. حيث تمارس ضغوط هائلة لدفع دمشق نحو اتخاذ مواقف أو الانخراط في أدوار تهدف بالأساس إلى محاصرة المقاومة وإضعاف ظهيرها الاستراتيجي. هذا الضغط يهدف إلى تحويل الساحة اللبنانية إلى نقطة اشتباك سوري-لبناني تحت عناوين أمنية وحدودية، مما يؤدي إلى استنزاف القوى المقاومة في صراعات جانبية مع محيطها، ويخدم الأجندة الدولية الرامية إلى تفكيك وحدة الجبهات وتجريد المقاومة من عمقها الإقليمي الحيوي.
​ويذهب بعض الكتاب إلى أبعد من ذلك، محذرين من أن أي صدام داخلي قد يتحول سريعاً إلى ساحة مواجهة مفتوحة، لا تقتصر على الداخل اللبناني، بل تمتد لتشمل أطرافاً إقليمية، ما قد يضع لبنان في قلب صراع أكبر منه بكثير.
​في النهاية، تبقى هذه السيناريوهات ضمن إطار التحليل والتقدير، وليست حتميات. إلا أن خطورتها تكمن في أنها تستند إلى تجارب سابقة في المنطقة، حيث تحولت الأزمات الداخلية إلى بوابات لتدخلات خارجية وصراعات طويلة الأمد. لذلك، يبدو أن التحدي الأكبر أمام اللبنانيين اليوم، هو تجنب الانجرار وراء أي تصعيد داخلي، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، في منطقة لم تعد تحتمل مزيداً من الحروب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى