
ليست أزمة طرد السفير الإيراني محمد رضا الشيباني حدثًا دبلوماسيًا معزولًا يمكن إدراجه في خانة التوترات العابرة بين الدول، بل هي مرآة مكبّرة تعكس أزمة أعمق: أزمة القرار الوطني في لبنان، وحدود سيادته الفعلية، وقدرته على إدارة توازناته الداخلية والخارجية.
ما يجري يتجاوز الإجراء بحد ذاته، ليدخل في سياق بنيوي يتعلّق بطبيعة الدولة اللبنانية. فلبنان، في واقعه الراهن، لا يعمل كدولة مكتملة السيادة، بل كساحة تتقاطع فيها إرادات متعددة، داخلية وخارجية، حيث تتحوّل المؤسسات إلى أدوات تعبير عن موازين القوى، لا إلى مرجعية حاسمة لصنع القرار.
في هذا الإطار، يبدو المشهد أقرب إلى “ملهاة يونانية” في ظاهرها، لكنها سرعان ما تنقلب إلى مأساة.
قرارات تُتخذ، مواقف تُعلن، تصعيد يُمارس، لكن دون وضوح في الأهداف الاستراتيجية، أو في الكلفة والعائد، أو حتى في الجهة التي تملك القرار النهائي.
من الدبلوماسية إلى سؤال السيادة
أي قرار سيادي حقيقي يُفترض أن يكون جزءًا من استراتيجية متكاملة، تُحدَّد فيها الأهداف، وتُحسب فيها المكاسب والخسائر، ويُبنى على أساسها مسار تفاوضي واضح.
لكن ما يثير القلق في الحالة اللبنانية هو أن القرارات الكبرى غالبًا ما تأتي منفصلة عن أي سياق تفاوضي جدي، وكأنها ردود فعل، أو رسائل ظرفية، لا أدوات ضغط مدروسة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يملك لبنان فعلًا قرار الطرد كفعل سيادي متكامل، أم أنه يمارس شكله دون مضمونه؟
درس التاريخ: عندما يُقدَّم “الإنجاز” مجانًا
في مذكراته، يروي هنري كيسنجر حادثة لافتة تعود إلى عام 1972، حين قرر أنور السادات طرد عشرات آلاف المستشارين السوفيات من مصر.
القرار كان صادمًا للولايات المتحدة، لا لأنه أضرّ بها، بل لأنه خدم مصالحها بشكل كامل.
لكن المفارقة، كما ينقل كيسنجر، لم تكن في مضمون القرار، بل في كونه اتُّخذ دون مقابل.
لم يُستخدم كورقة تفاوض، ولم يُربط بمكاسب سياسية أو استراتيجية. وهو ما دفع كيسنجر للتساؤل بدهشة: لماذا يُقدَّم ما يريده الخصم مجانًا؟
هذه الواقعة ليست مجرد قصة من الماضي، بل نموذج تحليلي يُسقط على حالات مشابهة، حيث تتحول القرارات السيادية إلى “هدايا سياسية” غير مستثمرة.
لبنان: قرارات بلا أثمان
في الحالة اللبنانية، لا يبدو أن الإشكالية تكمن في قرار بعينه، بل في نمط متكرر من إدارة القرار.
خطوات تُتخذ، تصعيد يُمارس، مواقف تُعلن، لكن دون تحويلها إلى أوراق قوة تفاوضية.
هذا الخلل لا ينفصل عن طبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات الطائفية، حيث يصبح القرار نتيجة تسوية داخلية هشّة، لا تعبيرًا عن مصلحة وطنية موحّدة.
في هكذا نظام، يصعب بناء استراتيجية طويلة الأمد، لأن كل قرار يُقاس بمدى تأثيره على التوازن الداخلي، لا على المصلحة الوطنية الشاملة.
وهنا تحديدًا، يفقد القرار قيمته كأداة سيادية، ويتحوّل إلى مجرد فعل رمزي، أو رسالة خارجية غير مكتملة العناصر.
بين الدولة والساحة
لبنان اليوم يقف في منطقة رمادية بين “الدولة” و”الساحة”.
الدولة تفترض احتكار القرار، وضبط الإيقاع السياسي والدبلوماسي، وربط أي خطوة بحسابات دقيقة. أما الساحة، فهي مساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ، حيث تُستخدم القرارات كإشارات ضمن صراعات أكبر.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح من المشروع طرح السؤال: هل ما يجري هو تعبير عن إرادة لبنانية مستقلة، أم انعكاس لتوازنات إقليمية تُدار على الأرض اللبنانية؟
لعنة الوطن: قدر لا خيار
وصف لبنان بـ”لعنة وطن” ليس توصيفًا أدبيًا بقدر ما هو تعبير عن حالة وجودية يعيشها اللبنانيون.
هو وطن يُحبّ حدّ الألم، ويُنتقد حدّ القسوة، لكنه يبقى قدرًا لا يمكن الفكاك منه.
المشكلة ليست في هذا التناقض بحد ذاته، بل في تحوّله إلى مبرر للاستسلام.
فالدول لا تُبنى على التناقضات، بل على القدرة على إدارتها وتحويلها إلى عناصر قوة.
الخلاصة: أزمة وظيفة الدولة
أزمة طرد السفير، في جوهرها، ليست أزمة دبلوماسية، بل أزمة وظيفة الدولة اللبنانية.
هل هي دولة قادرة على إنتاج قرار سيادي متكامل؟ أم مجرد إطار مؤسساتي لإدارة توازنات داخلية وخارجية؟
الفرق بين الحالتين كبير.
في الأولى، يصبح القرار أداة قوة. وفي الثانية، يتحول إلى عبء، أو إلى خطوة بلا جدوى.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من القرارات الشكلية، بل إلى إعادة تعريف معنى القرار نفسه: كيف يُصنع، ولماذا يُتخذ، وما الذي يُراد تحقيقه من خلاله.
دون ذلك، ستبقى كل الأزمات، مهما اختلفت عناوينها، تدور في الحلقة ذاتها:
قرارات تُتخذ… بلا أثمان،
وأثمان تُدفع… بلا قرارات.







