
تطرح رؤية أيمن نور، زعيم حزب الغد الليبرالي، للسياسة الخارجية المصرية خلال الفترة (2026–2030) نفسها كبديل نقدي للنهج الرسمي المصري، في محاولة لإعادة تعريف دور مصر الإقليمي والدولي عبر خطاب يجمع بين الطموح السياسي والمرجعية الليبرالية. غير أن هذه الرؤية، رغم جاذبيتها الخطابية ورونقها في تقديم خطاب سلس ومثير، تثير تساؤلات جوهرية حول قابليتها للتطبيق وحدودها في ظل تعقيدات البيئة الإقليمية والدولية.
وحتى نكون منصفين، لم تكن هذه هي الرؤية الأولى للحزب ورئيسه، ولن تكون الأخيرة في السياق السياسي لأيمن نور، رئيس حزب الغد ومؤسس قناة الشرق المعارضة. فعبر العشرين عامًا الماضية، قدم أطروحات عديدة لتعبر أحيانًا عن طموح سياسي واقعي وأخرى غير واقعية. لكن خطاب الحزب والزعيم والقناة بدا، رغم الفصل الظاهر بينها أو المتعمد، إلا أن بينها خطوط اتصال وانفصال واضحة. ومن هنا نقدم هذه القراءة المتواضعة لهذه الرؤية:
أولاً: ملامح الرؤية – استعادة الدور أم إعادة تعريفه؟
تنطلق رؤية نور من فرضية مركزية مفادها أن مصر فقدت جزءًا كبيرًا من ثقلها الإقليمي خلال العقد الأخير، وأن استعادة هذا الدور تتطلب سياسة خارجية أكثر استقلالية وتوازنًا. ويؤكد في أطروحاته على ضرورة تنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد، مع إعادة تفعيل الدور المصري في القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
كما تركز الرؤية على توسيع أدوات القوة الناعمة، عبر الإعلام والثقافة والدبلوماسية الشعبية، باعتبارها عناصر مكملة – بل بديلة أحيانًا – للقوة الصلبة. هذا الطرح يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة التحولات في النظام الدولي، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لصياغة النفوذ.
إلا أن نجاح الدور المصري كان واضحًا في القضية الفلسطينية، خاصة عند انعقاد اتفاقية شرم الشيخ ووقف الحرب على غزة واستعادة مرحلة التفاوض الفلسطيني، رغم كل المعوقات الدولية. ولم تشر الرؤية إلى فشل المخطط الصهيوني والأمريكي في تهجير الشعب الفلسطيني إلى سيناء أو الأردن، مما يجعل هناك خللًا في تصور رؤية سياسية ابتعدت عن نجاح مصر في هذا المجال.
ثانيًا: بين المثالية السياسية وتعقيدات الجغرافيا
رغم وجاهة الطرح النظري، تصطدم رؤية نور بإشكالية مركزية تتعلق بمدى واقعيتها. فالدعوة إلى “الاستقلالية” في السياسة الخارجية، على سبيل المثال، تبدو أقرب إلى الطموح منها إلى الإمكانية، في ظل تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية لمصر مع قوى دولية وإقليمية مؤثرة.
كما أن البيئة الإقليمية – التي تتسم بتعدد بؤر الصراع من ليبيا إلى غزة والبحر الأحمر وإيران والخليج – تفرض على صانع القرار المصري حسابات دقيقة، لا يمكن اختزالها في خطاب سياسي عام. وهذا ما استدعى الرئيس في أحد خطبه بأكاديمية الشرطة أثناء الإفطار الجماعي هذا العام 2026، أن يؤكد ضرورة التفرقة بين إسلام الفرد وإسلام الدولة، موضحًا أن الدولة تضم مسلمين وغير مسلمين ومؤمنين وغير مؤمنين، وأنها يجب أن تكون دولة لكل المواطنين دون تمييز. هنا يظهر التباين بين خطاب المعارضة الذي يميل إلى التبسيط، ومتطلبات الدولة التي تفرض تعقيدًا أكبر في اتخاذ القرار في العلاقات بين الأفراد والجماعات في الداخل وبين الدول في الخارج.
ثالثًا: القوة الناعمة… بين التفعيل والتآكل
تولي رؤية نور اهتمامًا خاصًا بإعادة إحياء القوة الناعمة المصرية، معتبرًا أنها أحد أهم مصادر النفوذ التاريخي لمصر. غير أن هذا الطرح يتجاهل جزئيًا التحديات البنيوية التي تواجه هذه القوة، مثل تراجع الإنتاج الثقافي المؤثر في المجتمع، وتغير أنماط التأثير الإعلامي في عصر المنصات الرقمية. فمثلًا، تصدرت الرواية الأدبية عرش الثقافة والمبيعات في معرض الكتاب العامين الماضيين، واختفى الكتاب السياسي من الوجود.
فالقوة الناعمة لم تعد حكرًا على الدولة، بل أصبحت مجالًا مفتوحًا تتنافس فيه الفواعل غير الحكومية، من شركات التكنولوجيا إلى المؤثرين الرقميين والثقافات الموازية، والتي منها قناة الشرق نفسها التي يملكها ويديرها صاحب الرؤية. وبالتالي، فإن استعادتها تتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز الخطاب السياسي إلى إصلاحات داخلية عميقة.
ويكفي أن أدلل على ذلك بإحدى مسرحيات محمد صبحي الأخيرة التي شرحت الواقع المصري ومست مواقف سيادية عليا، خطابها قريب من خطاب قناة الشرق ولكنها كانت بالداخل وليست في الخارج، ومع ذلك لم تمنع ولم يتم اعتقال صبحي رغم أنه حاد في الانتقاد في الفن وغير الفن.
رابعًا: القضية الفلسطينية… مركزية ثابتة أم توظيف سياسي؟
تؤكد رؤية نور على مركزية القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية المصرية، وهو موقف يتسق مع الإرث التاريخي والدور الجغرافي لمصر. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن إعادة هذا الملف إلى صدارة الأولويات في ظل تعدد الأزمات الإقليمية؟
فقد دفعت مصر أثمانًا باهظة من شبابها في عمليات عنف بسبب القضية الفلسطينية، وما زالت عمليات العنف تحدث باسم هذه القضية. بل وما زالت مصر عصية على عمليات التطبيع التي قامت وسارعت دول إليها، لم تكن في خبرة ولا عراقة السياسة المصرية خلال العشرين عامًا الماضية.
كما أن هذا الطرح يفتقر إلى تفصيلات عملية حول كيفية إدارة هذا الدور، خاصة في ظل تعقيد العلاقات مع الأطراف المختلفة، وتداخل الأبعاد الأمنية والإنسانية والسياسية. فالدعوة إلى “دور أكثر فاعلية” تظل عامة، ما لم تُترجم إلى أدوات وآليات واضحة.
خامسًا: إشكالية الفاعلية… من الرؤية إلى التنفيذ
أحد أبرز نقاط الضعف في رؤية نور يتمثل في غياب تصور تنفيذي واضح. فبينما يقدم إطارًا فكريًا متماسكًا نسبيًا، إلا أنه لا يوضح بشكل كافٍ كيف يمكن تحويل هذه الأفكار إلى سياسات قابلة للتطبيق، خاصة في ظل القيود الاقتصادية والمؤسسية.
كما أن الرؤية لا تتناول بشكل كافٍ طبيعة مؤسسات صنع القرار في مصر، ودورها في تشكيل السياسة الخارجية والداخلية، وهو ما يجعل رؤية نور أقرب إلى “بيان سياسي” منها إلى “خطة استراتيجية”.
سادسًا: بين المعارضة والسلطة
لا يمكن فصل هذه الرؤية عن موقع صاحبها في المشهد السياسي. فكون أيمن نور أحد أبرز وجوه المعارضة يضفي على خطابه طابعًا نقديًا، لكنه في الوقت ذاته يحرره من قيود المسؤولية التنفيذية. وهذا يفسر جزئيًا الفجوة بين الطموح والواقعية.
فالمعارضة تميل بطبيعتها إلى تقديم رؤى مثالية، تركز على ما “ينبغي أن يكون”، بينما تتعامل السلطة مع ما “يمكن أن يكون”، وهذه هي السياسة “فن الممكن”. وبين هذين المستويين، تتشكل إشكالية السياسة الخارجية في الدول ذات التحديات المركبة مثل مصر. ولا ننسى أن نور نفسه تحالف واقترب من كيان جماعة الإخوان، وهذا يراه كثير من الباحثين المتخصصين تحالفًا براجماتيًا، بل ودافع عنها بل واتهم السلطة في بعض الأحيان بالوقيعة بينه وبين الإخوان في تسريب مسلسل “الاختيار” (حلقة 16 الاختيار 3)، رغم أن الرسالة التي أراد المسلسل إيصالها له ولتياره وحزبه، بأنه خط من قوي جبهة الإنقاذ الليبرالي، ويختلف عن توجهات الإخوان التي قد تعيق مساره السياسي. ومع ذلك، شكل تحالفًا سياسيًا معهم أو مع بعضًا منهم، وهو يعلم أنهم يتحالفون مع الشيطان من أجل مصالحهم، مع التفريق بين شخصيات الإخوان التي تتقارب بالفعل على المستوى الإنساني معه (متقلبة المزاج وتخضع لضغوط دجمائية الجماعة أحيانًا)، بينما الجماعة بشكلها الإداري والتنظيمي ما زالت تعتبره آخر بالنسبة لهم وأنهم جماعة أقوى سياسيًا وتاريخيًا منه.
رؤية ملهمة… لكنها تحتاج إلى هندسة واقعية
في المجمل، تمثل رؤية أيمن نور محاولة جادة لإعادة التفكير في موقع مصر في العالم، وتطرح أفكارًا مهمة حول الاستقلالية، وتنويع العلاقات، وتفعيل القوة الناعمة. غير أنها تظل بحاجة إلى مزيد من التفصيل، والربط بالواقع، وتقديم آليات تنفيذية واضحة.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الرؤية، بل في القدرة على تحويلها إلى سياسة. وبين الطموح المشروع وتعقيدات الواقع، تبقى السياسة الخارجية مجالًا تتقاطع فيه المبادئ مع المصالح، والأفكار مع القيود.
وفي هذا السياق، فإن أي مشروع لإعادة تموضع مصر دوليًا يجب أن ينطلق من فهم عميق لهذه المعادلة، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج خطاب نقدي، مهما كانت وجاهته.
في تقديري، رؤية نور هامة ولكنها تحتاج إلى مناقشتها داخل أروقة المعارضة بتنوعاتها وأيديولوجيتها، ومناقشتها في أوساط المعارضة في الخارج أولًا، والتي لا ترى أنه يجب أن نرمم نظمًا يتخيلون أنها ستسقط، وسنكون على حصان فاتح نصلي جميعًا في الجامع الأزهر مهللين ومكبرين. وسيدفع الثمن جميع من عارضنا وساعد النظام علينا ، وساعتها “ولات حين مناص” لا وقت للندم.
كما يجب أن يهتم باحثو التاريخ والعلوم السياسية بقراءة ملفات حزب الغد ورئيسه ودوائر صنع القرار فيه، ومواقفه من القوى الدولية الخارجية، والتي اتخذها في السياق السياسي. كما لا يعرف كثيرون أنه اقترب من التيارات الإسلامية بجميع أطيافها، مثل حزب التحرير الإسلامي لتقي الدين النبهاني ، وبعض قيادات ما يطلق عليهم جيل الآباء الشرعيين للحركة الإسلامية في الثمانينيات، مثل طلعت فؤاد قاسم وعلاء محي الدين وعبود الزمر وقيادات ميدانية أخرى مثل عبد الرؤوف أمير الجيش ومجموعة طلائع الفتح.
وهذا يدفعنا في الحلقات القادمة بمناسبة بلوغ الحزب 22 عامًا أن يكون لنا حديث مستقل عن أيام السجن والحرية، فالأروقة الداخلية للحزب تعرف جيدًا خبايا بعض هذه التنظيمات وعاصرت أوقات ظهورها واحتضارها.







