شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: 47 عامًا… سلام على الورق… وحرب على الأرض؟

في مثل هذا اليوم، 26 مارس 1979، وُقِّعت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، بعد اتفاقات اتفاقيات كامب ديفيد، لتفتح صفحة قيل يومها إنها بداية النهاية لصراعٍ دامٍ أنهك المنطقة. بين التوقيع والتطبيق، وبين النصوص والوقائع، تمتد اليوم مسافة سبعة وأربعين عامًا، تفرض علينا قراءة أكثر هدوءًا، وأعمق إنصافًا، وأشد قسوة في الأسئلة.

لم يكن أنور_السادات يذهب إلى هذا المسار باعتباره تنازلًا، بل مبادرة سياسية كبرى حاول من خلالها أن يكسر دائرة الحرب، وأن يفتح الباب أمام تسوية عادلة وشاملة، تعيد الأرض، وتوقف الدم، وتُخرج الإقليم من منطق الصراع المستمر. كان الرهان أن يتحول الاتفاق من خطوة مصرية إلى مسار عربي أوسع، وأن يصبح السلام مشروعًا إقليميًا لا صفقة منفردة.

نجحت المعاهدة في تحقيق هدف مصري مباشر لا يمكن إنكاره: استعادة سيناء، وإنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل. هذا مكسب استراتيجي مهم في الحساب الوطني، لا يجوز تجاهله أو التقليل من قيمته. لكن السؤال الذي ظل معلقًا منذ اللحظة الأولى: ماذا عن بقية الإقليم؟ ماذا عن فلسطين؟ ماذا عن السلام الشامل الذي وُعِد به الجميع؟

هنا تبدأ المفارقة. فالمعاهدة التي أنهت الحرب بين دولتين، لم تنهِ منطق الحرب في المنطقة. بقي الصراع قائمًا، يتغير شكله، ويتسع نطاقه، وتزداد تعقيداته. ومع مرور الزمن، بدا أن السلام الذي كُتب على الورق لم يتحول إلى واقع شامل، بل إلى حالة جزئية، محصورة في إطارها الثنائي.

بعد 47 عامًا، نجد أنفسنا أمام مشهد إقليمي مختلف تمامًا عمّا بُشّر به. غزة تحت النار، لبنان على حافة انفجار، والشرق الأوسط يعيش حالة سيولة خطرة، تتداخل فيها الصراعات، وتتصادم فيها الإرادات، بينما يظل الإنسان العربي هو الخاسر الأكبر.

هنا يطرح التاريخ سؤاله المؤلم:
هل أضاع العرب فرصة سلام شامل عندما تركوا المسار ولم ينخرطوا فيه جميعًا؟
سؤال مشروع، لأن السياسة لا تُقاس فقط بما حدث، بل أيضًا بما لم يحدث.

لكن في المقابل، يفرض الواقع سؤالًا آخر أكثر صعوبة:
هل كانت إسرائيل مستعدة أصلًا لسلام حقيقي يعيد الحقوق، أم أنها كانت تسعى إلى تحييد مصر فقط؟

ما جرى خلال العقود التالية يوحي بأن المكسب الإسرائيلي الأكبر لم يكن السلام ذاته، بل إخراج مصر من معادلة الصراع المباشر، وفتح المجال لإدارة الصراع مع بقية الأطراف من موقع أكثر تفوقًا.

ومن هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية:
هل كان السلام خيارًا استراتيجيًا لإنهاء الصراع، أم أداة لإدارته؟

الواقع يشير إلى أن المشكلة لم تكن في فكرة السلام نفسها، بل في غياب العدالة داخلها. فسلام لا يعيد الحقوق، ولا ينهي الاحتلال، ولا يحقق توازنًا حقيقيًا، يظل سلامًا هشًا، قابلًا للانفجار في أي لحظة.

وعلى امتداد هذه السنوات، لم يتغير نمط السلوك الإسرائيلي بشكل جوهري. ظل الاعتماد على القوة، وفرض الوقائع، وإدارة التفاوض من موقع التفوق، هو السمة الغالبة. وهو ما يطرح السؤال بوضوح:
كيف يمكن بناء سلام حقيقي مع طرف لم يغيّر منطقه منذ 1948؟

في المقابل، تغيّرت الولايات المتحدة نفسها. بين جيمي كارتر الذي رعى الاتفاق، وتعامل مع أزمات بلاده بمنطق الدولة والمؤسسات، ودونالد ترامب في 2026، تبدو المقاربة مختلفة تمامًا، حيث تتراجع الدبلوماسية التقليدية لصالح منطق الصفقات والضغوط والاستعراض السياسي.

هذا التحول لا يمكن فصله عن المشهد الراهن، حيث تتسع رقعة الصراع، وتتزايد احتمالات المواجهة، ويتحول الشرق الأوسط مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة لكل السيناريوهات.

وبين الماضي والحاضر، يبقى السؤال الأهم:
هل كان السلام الذي وُقِّع حلًا حقيقيًا… أم مجرد هدنة طويلة؟

الذكرى لا تُقرأ كاحتفال، بل كمراجعة. مراجعة لسلامٍ أنقذ دولة، لكنه لم يُنقذ الإقليم، ولم يُنهِ الصراع، ولم يمنع الحروب.

وربما تكون الخلاصة الأقرب إلى الواقع:
لم يفشل السلام لأنه كان فكرةً خاطئة، بل لأنه تُرك في يد طرفٍ لم يتخلَّ عن منطقه القديم

لذلك، وبعد كل هذه السنوات، نقف أمام حقيقة قاسية:
سلامٌ كُتب على الورق… وحربٌ لا تزال تُكتب على الأرض

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى