
«لم أفز دائمًا.. ولكن تعلمت دائمًا»
لا يصنع الإنسان ما يربحه فى الحياة بقدر ما يصنعه ما يخسره منها.
فالنجاح يضيف إلى سيرتنا إنجازًا، لكنه نادرًا ما يضيف إلى وعينا حكمة. أما لحظات الفشل، وتلك الهزائم الصغيرة أو الكبيرة التى نعبرها بصمت أو بمرارة، فهى التى تفتح فى داخلنا أبواب الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وما الطريق الذى خُلقنا له حقًا؟
حين نكون فى قلب التجربة المؤلمة، نظن أن العالم قد ضاق، وأن بابًا كان يقود إلى مستقبلنا قد أُغلق إلى الأبد. لكن الزمن، حين يمضى، يكشف لنا أن الحياة أكثر حكمة من خططنا، وأن الطريق الذى أُغلق لم يكن نهاية المسار، بل كان فى أحيان كثيرة مجرد منعطف خفى يقودنا إلى طريق آخر.. ربما لم نكن لنكتشفه لو سارت الأمور كما أردنا.
ومع مرور السنوات يدرك الإنسان حقيقة بسيطة وعميقة فى آن واحد:
أن بعض ما بدا ظلمًا فى لحظته كان فى جوهره درسًا، وأن بعض ما ظنناه هزيمة كان فى الحقيقة بداية تكويننا الحقيقى.
فالإنسان لا يُصاغ فقط بما يحققه من نجاح، بل بما يتعلمه من العثرات، وبما يكتشفه عن نفسه حين يُجبر على النهوض بعد سقوط لم يختره.
وهذه الكلمات ليست حكاية عن نجاح بقدر ما هى تأمل فى تلك اللحظات التى ظننتها يومًا خسارة، ثم اكتشفت بعد سنوات أنها كانت اللبنات الخفية التى صنعتنى.
الحياة، كما تعلمت مع مرور السنوات، لا تُقرأ من سطورها الأولى، ولا تُفهم من لحظة واحدة من الألم أو الخسارة. فكثيرًا ما تخفى الأيام فى طياتها حكمة لا نراها إلا بعد زمن، حين نكتشف أن ما ظننّاه سقوطًا كان فى الحقيقة بداية طريق آخر.. طريق لم نكن نخطط له، لكنه كان أكثر اتساعًا مما تخيلنا.
أكتب هذه الكلمات لكل شاب وشابة يمران بلحظة شك أو إحباط، لكل من ظن أن عدم الفوز فى معركة ما يعنى نهاية الحلم. الحقيقة أن الحياة لا تُقاس بلحظة فوز أو خسارة، بل بخبرة تتراكم فى وجدان الإنسان، وتصوغ داخله شخصية أكثر نضجًا وقدرة على الفهم.
حين أعود بذاكرتى إلى سنوات الدراسة الأولى فى كلية الطب، أتذكر أن حلمى كان واضحًا وبسيطًا: أن أصبح جراحًا. كنت أدرس بشغف، وحققت تفوقًا واضحًا فى كل مواد الدراسة بامتياز. لكن فى امتحان الشفوى فى مادة الجراحة واجهنى أستاذ قرر أن يسقطنى متعمدًا.
لم يكن الأمر سرًا. كان الهدف أن ينخفض تقديرى فى المادة لإخلاء موقع التخصص لواحد بعينه.
كانت تلك لحظة قاسية على شاب يرى مستقبله يتشكل أمامه. شعرت حينها أن بابًا كان مفتوحًا قد أُغلق فجأة، وأن حلمًا كبيرًا قد أُبعد عنى بقرار لا علاقة له بالعلم أو الجهد.
لكن الحياة كانت تكتب فصلًا آخر لم أكن أراه.
بعد التخرج، وبدافع من الإحباط وربما الرغبة فى بدء صفحة جديدة، قررت الهجرة إلى الولايات المتحدة. اجتزت امتحانات المعادلة الطبية، وحصلت على فرصة للعمل طبيبًا مقيمًا فى الجراحة بجامعة نورث ويسترن فى شيكاغو. كانت الوظيفة ستبدأ بعد ستة أشهر، ولم أشأ أن أترك تلك الفترة تمر دون تدريب، فتقدمت للعمل طبيبًا مقيمًا فى قسم النساء والتوليد فى قصر العينى.
وهنا تكرر المشهد نفسه.
فوجئت بأننى استُبعدت من الوظيفة.
فى تلك اللحظة لم يكن الأمر مجرد وظيفة، بل كان اختبارًا للكرامة. لم أكن متحمسًا للتخصص أصلًا، لكننى قررت أن أدافع عن حقى العلمى. تصاعدت المسألة حتى وصلت إلى الإعلام ثم عميد الكلية، الذى استدعانى فى البداية ليوبخنى على ما اعتبره تمردًا. لكن حين راجع الدرجات اكتشف أن حقى واضح. فصدر قرار بزيادة عدد الوظائف، وحصلت على موقع طبيب مقيم فى النساء والتوليد.
كنت أظن أننى سأبقى فى هذا القسم بضعة أشهر فقط، حتى يحين موعد سفرى إلى أمريكا.
لكن الحياة كانت تخبئ مفاجأة أخرى.
خلال تلك الأشهر القليلة بدأت أكتشف عمق هذا التخصص الإنسانى. رأيت فيه لحظات ميلاد الحياة، ومسؤولية الطبيب فى أدق مراحل الوجود البشرى. شيئًا فشيئًا وجدت نفسى أنجذب إليه، حتى اتخذت قرارًا لم يكن فى حساباتى: أن أبقى.
ومن ذلك القرار بدأت رحلة جديدة بالكامل.
تحول التخصص الذى دخلته مصادفة إلى المجال الذى كرست له حياتى. حصلت على أعلى الدرجات العلمية، وسافرت لاحقًا إلى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه والعمل فى جامعات فى ديترويت وشيكاغو، ثم عدت إلى مصر لأكمل مسيرتى المهنية والعلمية.
وحين أنظر إلى تلك اللحظة القديمة فى امتحان الجراحة، أدرك أن الظلم الذى شعرت به يومها لم يكن نهاية الطريق.. بل كان نقطة التحول التى قادتنى إلى ما أصبحت عليه.
ولم تكن هذه التجربة الوحيدة فى حياتى، فقد واجهت مثلها سياسيا، وفى كل الأحوال كنت أخرج أكثر صلابة وقدرة.
لقد علمتنى الحياة درسًا يتكرر بأشكال مختلفة:
ليس كل ما نراه شراً يكون شراً،
وليس كل باب يُغلق يعنى نهاية الطريق.
أحيانًا يكون ما نعتبره خسارة هو الطريق الذى يقودنا إلى أنفسنا الحقيقية. وأحيانًا يكون الظلم الذى نتعرض له هو الشرارة التى توقظ فينا قوة لم نكن نعرف أننا نملكها.
لهذا أقول لكل شاب وشابة:
لا تغرقوا فى لحظة عدم الفوز. لا تجعلوا خسارة معركة تعنى خسارة الحياة.
تأملوا التجربة، وتعلموا منها، واتركوا الزمن يكشف لكم ما لم ترونه فى لحظته.
فالحياة لا تصنع الإنسان بلحظات النجاح وحدها، بل بلحظات الصمود بعد الانكسار.
ولو نظر كل منا إلى حياته بصدق، سيكتشف أن كثيرًا مما ظنه يومًا شرًا.. كان فى الحقيقة بداية خير لم يكن يتوقعه.







