
الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني اختبار عنيف للنظام الدولي
تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مرحلة أكثر خطورة في اسبوعها الرابع، مع اتساع الحشد العسكري الأميركي في الخليج.
وتكشف التطورات العسكرية في اليومين الأخيرين أن الولايات المتحدة تواصل تعزيز وجودها البري والجوي والبحري في المنطقة، رغم الحديث عن المفاوضات والحديث عن فرص للتهدئة أو “اتصالات مثمرة” مع إيران.
هذه الازدواجية بين لغة التفاوض ووقائع الحشد العسكري الامريكي تعكس بوضوح أن واشنطن تعمل للتفاوض، من موقع قوة نارية مكتملة، وتحت مظلة كثيفة من النيران.
حشد عسكري أمريكي
وحسب ما يرشح من واشنطن فان البنتاغون يتجه إلى إرسال ما بين 3000 و4000 جندي إضافي من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى الشرق الأوسط، كما نشرت وكالة رويترز، في خطوة تعني أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بإدارة الحرب من الجو والبحر، بل تبني أيضاً احتياطاً برياً سريع الحركة يمكن استخدامه في حماية القواعد، أو تعزيز الدفاعات، أو التدخل في حال توسعت المعركة حول الممرات البحرية أو المنشآت الحيوية. ويضاف هذا الحشد الجديد الى تواجد أميركي قائم يُقدَّر بنحو 50 ألف جندي في المنطقة.
سيناريوهات أمريكية جديدة
ولا يقل أهمية عن ذلك، الدفع الأميركي المتواصل بقوات المارينز إلى المنطقة عبر مجموعات إنزال برمائي، في إشارة إلى أن التفكير العسكري الأميركي لم يعد محصوراً في الضربات البعيدة فقط، بل يشمل سيناريوهات التأمين البحري، وحماية الجزر والمضائق، وفرض الوقائع الميدانية عند الضرورة.
وفي بيئة مثل الخليج، حيث تختلط القواعد بالموانئ، وتلتصق البنية المدنية بالبنية العسكرية، فإن أي تحريك لقوات المارينز يحمل دلالة واضحة: الاستعداد لمرحلة أكثر احتكاكاً وأقل قابلية للضبط.
وأظهرت صور أقمار صناعية نشرتها رويترز في الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً في عدد الطائرات العسكرية الأميركية داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية بوصفها إحدى أهم نقاط الارتكاز الأميركية في هذه الحرب، بما يشمل طائرات التزود بالوقود جواً وطائرات دعم وتشغيل، وهو ما يؤكد أن السعودية لم تعد مجرد حليف سياسي بعيد عن المعركة، بل أصبحت عملياً جزءاً من العمق الجوي التشغيلي للحرب. وتكتسب هذه النقطة وزناً إضافياً بعد تقارير عن تعرض طائرات أميركية للتضرر في هجوم إيراني سابق على القاعدة، بما يكشف أن العمق الخليجي لم يعد محصناً بالكامل من التهديدات.
توزيع كلفة الحرب على الخصوم والحلفاء
ولا ينفصل هذا التحشيد عن طبيعة التهديد الذي تستعد له واشنطن. فالمعركة لم تعد تتعلق فقط بضرب الداخل الإيراني، بل أيضاً بمنع طهران من تحويل الخليج إلى ساحة تعطيل استراتيجي. وهذا يفسر جلب امريكا لطائرات “اصطياد السفن” وحماية الملاحة من التهديدات البحرية، سواء عبر الصواريخ المضادة للسفن، أو الزوارق السريعة، أو الألغام، أو المسيّرات، لان الخليج العربي ليس مجرد ممر عبور، بل شريان الاختناق العالمي الذي يمكن عبره إعادة توزيع الكلفة على خصوم إيران وحلفاء واشنطن في آن واحد.
ايران تحاول فرض معادلات جديدة
ويكتسب هذا البعد أهمية أكبر بعد التطور اللافت الايراني اللافت، بابلاغ طهران مجلس الأمن والمنظمة البحرية الدولية أن السفن “غير المعادية” فقط يمكن أن تعبر مضيق هرمز، شرط التنسيق مع السلطات الإيرانية. هذه الصيغة تعني عملياً أن طهران تحاول إعادة تعريف قواعد المرور والسيادة في المضيق بما يتجاوز الردع التقليدي إلى فرض معادلة سياسية وعسكرية جديدة في قلب التجارة العالمية.
الخليج بوصفه مركزا لانتاج الصدمات
ومن هنا، فإن الحديث عن الخليج لا يقتصر على النفط وحده. فالإقليم أكثر هشاشة وتعقيداً مما يبدو في الخرائط السياسية. لإنه يقوم على ترابط عضوي بين أربعة أنظمة لا يمكن فصلها: الطاقة، والمياه، والأمن، والتحالفات. وإذا تعرض أحد هذه الأنظمة لضغط كبير، فإن الأنظمة الثلاثة الأخرى تبدأ بالاهتزاز تباعاً. وهذا ما يجعل الخليج، في حال طال أمد الحرب، ليس مجرد مساحة تتلقى الصدمة، بل مركزاً لإنتاج الصدمة نفسها. فاستهداف محطات التحلية، أو تعطيل الموانئ، أو تهديد المجال الجوي، أو ضرب خطوط الإمداد، لا يعني فقط رفع الأسعار أو إرباك الأسواق، بل يعني ضرب قابلية الإقليم للحياة اليومية والاستقرار الوظيفي.
أمريكا.. حساب القوة لا الزمن
في هذا السياق، لا تبدو تصريحات وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسث منفصلة عن هذا المشهد. فقد أكد أن الولايات المتحدة لا تضع “إطاراً زمنياً” لإنهاء الحرب، وأن “الأمور تسير على المسار الصحيح”، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لا تنظر إلى الحرب بوصفها عملية سريعة الإغلاق، بل كحملة مفتوحة زمنياً تخضع لحسابات القوة لا للساعات والأيام. كما شدد على أن القرار النهائي بشأن التوقف يعود إلى الرئيس دونالد ترامب، وهو ما يعكس منطقاً سياسياً وعسكرياً يقوم على استثمار التراكم الناري قبل أي انتقال إلى التفاوض.
الخليج.. الخاصرة الأهم والأكثر حساسية
في المقابل، تواصل إيران التعامل مع الخليج بوصفه الخاصرة الأهم للخصوم، لا لأنه فقط يختزن الثروة النفطية، بل لأنه يمثل النقطة الأكثر حساسية في شبكة النفوذ الأميركي والتحالفات الغربية والإقليمية. فكل قاعدة أميركية في الخليج، وكل ناقلة نفط، وكل ميناء، وكل مطار عسكري أو مدني، يمكن أن يتحول في حرب الاستنزاف إلى مقياس مباشر لكلفة استمرار المعركة.
إعادة تشكيل الإقليم من الداخل
وهذا يعني ان الخطر الأكبر على الخليج لا يكمن فقط في اتساع الحرب فقط، بل في طول أمدها. فالحروب القصيرة قد تُحتوى سياسياً وأمنياً، أما الحروب الممتدة فتبدأ بإعادة تشكيل الإقليم من الداخل: ترفع كلفة التأمين، وتضغط على البنية التحتية، وتربك الأسواق، وتعيد تعريف علاقات الحلفاء مع واشنطن، وتفتح الباب أمام استنزاف تدريجي لا يُقاس فقط بعدد الضربات، بل بقدرة الإقليم على الاستمرار تحت الضغط.
قدرة الخليج على إعادة تشكيل نفسه
لم يعد السؤال ما إذا كان الخليج سيتأثر بالحرب؟ لانه تأثر فعلا، بل إلى أي مدى سيُعيد الخليج نفسه تشكيل هذه الحرب؟ والى اي مدى يمكن لدول الخليج العربية ان تعيد تشكيل نفسها وتشكيل منظومتها الخليجية بشكل اكثر نجاعة وفاعلية وذاتية دفاعا عن وجودها وسيادتها وثرواتها؟ والى اي مدى تستطيع ان تتحول من ساحة حرب الى لاعب حقيقي يحدد مصير منطقة الخليج العربي كله؟
صفقة أمريكية إيرانية ممكنة
إن أي خلل مستمر وطويل الامد، في مضيق هرمز، والملاحة الدولية، أو في شبكات الطاقة والمياه، يعني أن الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران خرجت من نطاق “ضرب إيران” إلى نطاق إعادة تعريف التوازن الإقليمي بأكمله. بما في ذلك دول الخليج العربية. وهذا ما عكسه تصريح الرئيس الامريكي دونالد ترامب انه يمكن ان يدير مضيق هرمز بالشراكة مع آية الله، اي انه يتحدث صفقة ممكنة مع ايران.
الخليج.. حدود التصعيد وكفاءة الردع
من الواضح ان واشنطن تتحرك لتشييد بنية حرب طويلة قادرة على الاستمرار، إذا تحولت المواجهة إلى استنزاف مفتوح. فان الخليج العربي لن يبقى مجرد فضاء جغرافي قريب من الحرب، بل المسرح الأشد حساسية الذي ستُقاس عليه كفاءة الردع، وحدود التصعيد، وقدرة النظام الإقليمي على البقاء.
الخليج العربي، ليس مجرد مسرح خلفي للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. إنه قلبها اللوجستي، ومركزها الوظيفي، وميدانها الأشد قابلية للانفجار. وإذا استمرت الحرب كاستنزاف طويل، فإن مصيرها لن يُحسم فقط في طهران أو تل أبيب، بل أيضاً في المياه الساخنة للخليج، وفي قواعده، وممراته، ومنشآته الحيوية.
سمير الحجاوي
كاتب وباحث واعلامي
مدرب للتخطيط الاستراتيجي







