
شعرتُ بصدمةٍ حقيقية، تمشي في القلب بخطى ثقيلة، لحظة قرأت خبر حبس تامر شيرين شوقي. لم يكن الرجل صديقًا ولا زميلًا، ولم تجمعني به سوى معرفة عابرة عبر صفحات التواصل، لكن وقع الخبر كان أكبر من حدود المعرفة… كان صدمةً تمس فكرة العدالة نفسها، لا شخصًا بعينه.
لم يكن الألم لأن الرجل أول من يتعرض لمثل هذا المصير، ولا لأنه الأخير، فالأسماء تتبدل والوقائع تتكرر. لم يكن لأن مواقفه تميل إلى الاعتدال أو الاستقلال، ولا لأن العمر يضفي عليه وقارًا خاصًا. كان لأن الخبر فتح جرحًا أعمق: جرح الثقة في مؤسسة كانت يومًا عنوانًا للإنصاف.
استيقظ في داخلي غضبٌ هادئ، لا يعرف الصخب بقدر ما يعرف الدقة. غضبٌ لا ينحاز إلى شخص، بل ينحاز إلى فكرة. فكرة أن النيابة العامة ليست جهازًا إداريًا عاديًا، بل حجر الزاوية في ميزان العدالة، فإذا اختلّ موضعها، اختلّ البناء كله.
قرار الحبس الاحتياطي لم يعد في وجدان الناس مجرد إجراء قانوني، بل صار إشارةً مقلقة إلى مسارٍ يحتاج إلى مراجعة. مسارٌ تراكمت فيه الأسئلة حتى تجاوزت الواقعة الواحدة، وأصبحت تبحث عن إجابة في بنية النظام نفسه.
في التصور القانوني الأصيل، كانت النيابة العامة تُوصف بأنها “الخصم الشريف”. لم يكن هذا الوصف زينة لغوية، بل تعريفًا صارمًا لوظيفتها: أن تبحث عن الحقيقة، لا أن تنتصر للإدانة. أن تملك شجاعة طلب العقوبة حين يثبت الدليل، وشجاعة طلب البراءة حين يسقط.
تاريخ القضاء المصري لم يخلُ من لحظاتٍ مضيئة جسّدت هذا المعنى. يكفي أن نستعيد موقف المستشار محمد نور في قضية طه حسين، حين انتصر للعقل والقانون، وميّز بين حرية الفكر والقصد الجنائي، ليؤكد أن النيابة يمكن أن تكون حصنًا للحرية، لا قيدًا عليها.
تحولات السنوات لم تمس النصوص بقدر ما مست الروح. بقيت القوانين كما هي، لكن الممارسة — في بعض الملفات — بدأت تنزلق بعيدًا عن جوهرها. بدا وكأن المسافة بين النيابة وواجبها الأصلي تتآكل بصمت.
هذا الانزلاق لا يحدث فجأة، بل يتسلل عبر التفاصيل: اعتماد متزايد على التحريات، توسع في الحبس الاحتياطي، تراجع في تدقيق الأدلة، وتقديم الاشتباه على اليقين. خطوات صغيرة، لكنها حين تتراكم، تغيّر الاتجاه.
التحريات، في أصلها، خيطٌ أولي يقود إلى الحقيقة، لا حقيقة مكتملة بذاتها. هي بابٌ يُفتح، لا حكمٌ يُغلق. لكن حين تتحول — في التطبيق — إلى أساس للاتهام، يصبح التحقيق تابعًا لها، لا رقيبًا عليها.
الخطر لا يكمن في وجود التحريات، بل في التسليم بها. حين تُستقبل باعتبارها يقينًا أوليًا، يفقد التحقيق استقلاله، ويصبح مجرد مسار لتأكيد ما قيل، لا لاختباره.
الحبس الاحتياطي، أخطر أدوات النيابة، كان في الفقه إجراءً استثنائيًا لحماية التحقيق، فإذا به — في التطبيق — يتحول أحيانًا إلى عقوبةٍ تُنفذ قبل أن يُقال الحكم.
امتداد مدد الحبس الاحتياطي، وتكرار تجديده، وظهور ما يُعرف بـ“إعادة التدوير”، ليست تفاصيل إجرائية، بل إشارات إلى خللٍ في فلسفة الاستخدام. تتحول الوسيلة إلى غاية، ويصبح الإجراء حكمًا مؤجلًا.
موقع النيابة العامة داخل الدولة يضعها على خط تماس دائم مع السلطة التنفيذية. انتماؤها للقضاء يمنحها استقلالًا نظريًا، لكن هذا الاستقلال يحتاج إلى حماية دائمة في التطبيق.
الاستقلال الحقيقي لا يُقاس بالنصوص، بل بالقدرة على اتخاذ القرار دون خوف أو تأثير. قدرةٌ لا تنحاز إلا للقانون، ولا تسمع إلا لصوت العدالة.
عبر تجربتي العملية والسياسية، صادفت نماذج مضيئة من رجال النيابة العامة، نماذج تُعيد الثقة وتُشعر الإنسان أن العدالة ما زالت بخير. كما صادفت — في المقابل — نماذج أخرى كانت تثير الشفقة، لا الغضب، لأنها بدت وكأنها تؤدي دورًا لا تملكه.
لا أنسى واقعة تحقيق جرت معي خلال فترة اعتقالي، مع وكيل نيابة من جنوب القاهرة. كان يمسك الهاتف في يد، والقلم في اليد الأخرى، يسأل من يحدثه قبل أن يسألني، ويكتب ما يُملى عليه قبل أن يدوّن إجابتي، ثم يعرض ما كتبه على من معه على الخط قبل أن يثبّته في الأوراق. لحظة واحدة كانت كافية لتختصر أزمةً كاملة.
أزمة النيابة العامة ليست حادثة منفردة، بل بنية مركبة: تراجع المسافة مع التحريات، توسع الحبس الاحتياطي، ضعف الرقابة، وغموض المعايير، وضغط المناخ العام. عناصر تتشابك لتنتج خللًا يتجاوز الأفراد.
مواجهة هذا الخلل تبدأ بإعادة تعريف الدور: النيابة خصم شريف، لا جهة اتهام. ميزان عدالة، لا أداة ضغط. عقل قانوني، لا صدى لغيره.
ضبط التحريات ضرورة: لا تُبنى عليها القضايا وحدها، بل تُختبر، وتُدعم، وتخضع لرقابة حقيقية.
إصلاح الحبس الاحتياطي واجب: مدد محددة، رقابة مستقلة، وإنهاء ظاهرة التدوير التي تُفرغ العدالة من معناها.
الفصل بين التحقيق والاتهام خطوة لازمة، تخلق توازنًا داخل المنظومة، وتمنع تركّز السلطة في يد واحدة.
الشفافية ليست رفاهية، بل شرط للثقة. نشر البيانات، ومراجعة القرارات، وإتاحة المعلومات، كلها تعيد بناء الجسر بين العدالة والمجتمع.
التدريب والتأهيل يعيدان تشكيل العقل القانوني، ويعيدان للنيابة روحها، لا مجرد شكلها.
قضية تامر شيرين شوقي لم تكن مجرد خبر عابر، بل لحظة كاشفة، دفعتنا لنرى ما كنا نؤجله، ونواجه ما كنا نتجنبه.
العدالة لا تبدأ من منصة الحكم، بل من أول محضر، ومن أول قرار. من تلك اللحظة الصغيرة التي قد تبدو عادية، لكنها تصنع مصير إنسان.
ولهذا… فإن إصلاح النيابة العامة ليس ترفًا قانونيًا، بل ضرورة وطنية، لا تستقيم العدالة بدونها، ولا يطمئن الناس إلا بها.







