
لكي نتحدث عن النهضة أو عن التحديث من أن نبحث عن التمرد، فالنهضة وليدة التمرد ولا يمكن أن تتحقق النهضة أو تقوم بدون أن يكون هناك جيل من المتمردين على أوضاعهم وعلى أوضاع مجتمعهم، وهذا ما تحقق لمصر في النصف الأول من القرن العشرين عندما ظهر جيل شيد معالم نهضة جديدة في مصر، تميز معظم رجاله ونسائه بالتمرد على التقاليد البالية وعلى الثوابت المجتمعية، فالنهضة هدم لثوابت وبناء لثوابت جديدة مكانها، ثوابت تحل محل الثوابت القديمة إلى أن تبلى هي الأخرى فنصبح في حاجة إلى ثورة جديدة عليها.
ولو نظرنا إلى جميع رواد النهضة والتحديث من أمثال طه حسين وهيكل والعقاد وتوفيق الحكيم ومختار وسيد درويش، فسنجد إن كل منهم كان متمردًا على الأشكال التقليدية في النوع الفني أو في المجال الإبداعي الذي برع فيه، كما أنه كان متمردًا أيضًا على قيم وتقاليد وثوابت المجتمع التي كانت تحتاج إلى تغيير.
كان طه حسين متمردًا بطرحه منهج الشك في كتاباته، وكان العقاد متمردًا في السياسة ومتمردا في الشعر وفي النقد الأدبي، وكان هيكل متمردًا عندما كتب رواية “زينب”، كان سيد درويش متمرداً في ألحانه وأغنياته على الغناء والموسيقى بصورتهما التقليدية التي عرفتها مجتمعاتنا، وكان مختار وراغب عياد وجيلهما من الفنانين التشكيلين متمردين على تقاليد المجتمع المتحفظة، وعلى الأشكال الفنية السائدة عندما جعلوا من الإنسان المصري رمزا في العمل الفني وموضوعا له، وغيرهم كثيرين من أبناء جيل النهضة والتحديث في مطلع القرن العشرين، الذين ارتبطوا بشكل أساسي بالثورة المصرية، ثورة 1919.
لقد تولدت لدى نخبة هذا الجيل المثقفة روح التمرد والثورة والرغبة في التغيير بفضل الظروف التي صاحبت مولدهم وتنشئتهم. فقد شهدت مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر محاولة جديدة للنهضة بعد محاولة محمد علي التي انتهت بالفشل، وبدأت هذه المحاولة في عصر الخديوي إسماعيل، وامتدت إلى مجالات مختلفة في الثقافة وفي السياسة وفي مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وأحدثت تحولات مهمة في الحياة المصرية، لقد شهدت تلك السنوات تغير وجه الحياة المصرية، كانت المدينة المصرية تتغير وكذلك كانت القرية تتغير، كانت مصر تشهد حركة تحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، تنشأ وتظهر فيه أشكال فنية جديدة لتحل محل الأشكال التقليدية، وفي هذه الفترة أُنشئت دار الأوبرا المصرية، وقدمت عليها عروض الأوبرا لأول مرة، وبدأت فرق مسرحية من الشام تأتي لتعمل على المسارح المصرية سرعان ما شارك فيها المصريون، وبدأت فنون الموسيقى والغناء تتطور نحو اتجاهات جديدة اكتملت وتبلورت بعد ذلك في القرن العشرين، وبدأت فنون النحت والتصوير الأوروبية تنتشر في المجتمع المصري حيث كان يقوم بمباشرتها فنانون أوروبيون أزاحوا تدريجيا الأشكال الفنية التقليدية التي كانت متواجدة في هذه الفترة.
لقد انتهت تجربة التحديث في عصر إسماعيل مثل تجربة محمد علي إلى الفشل بعد هزيمة الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لمصر، انتهت بكبوة ثانية، وعاشت مصر في فترة ظلام مرة أخرى تحطمت فيها مشروعات النخبة المصرية لتحقيق الديمقراطية ولبناء مجتمع مستقل ودولة حديثة.
وفي هذه الفترة المليئة بالتحولات، التي عاشت فيها مصر بين مد وجزر، بين نهوض وإخفاق، بين أحلام بناء مصر للمصريين وواقع سقوطها في قبضة الاحتلال، في ظلال هذه الفترة ولد معظم الرواد من أبناء الجيل الذي قامت على أكتافه النهضة المصرية في حلقتها الثالثة في النصف الأول من القرن العشرين.
ففي سنوات الاحتلال الأولى ولد من أصبحوا فيما بعد رواد نهضتنا الحديثة، لكن تكوينهم المتمرد الساعي إلى التغيير تشكَّل في ظل محاولة جديدة للإحياء والنهوض والبعث الوطني بدأت بعد الرحيل المبكر للخديوي توفيق عام 1892، وتولى الخديوي عباس حلمي الثاني عرش مصر، فقد حاول وهو حاكم شاب أن يستعيد سلطاته من الاحتلال البريطاني، الأمر الذي دفعه إلى الاستعانة بالشباب الوطني الذي بدأ في الظهور في هذه الفترة بزعامة مصطفى كامل، كما دفعه لمحاولة الاصطدام مع المستعمر البريطاني مستندًا إلى بقايا الحركة الوطنية التي كانت موجودة في مصر، فقرر العفو عن عبد الله نديم خطيب الثورة العرابية ليعود من المنفى مستأنفا نشاطه.
في ظل هذا المناخ، ولد ذلك الجيل من أبناء الريف المصري الذين صنعوا النهضة، نشأ معظمهم في الريف ثم انتقلوا إلى المدينة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين واحترفوا “التمرد الخلاق”، فوضعوا أسس النهضة، وكان لكل واحد منهم حكاية مع التمرد.
ومن المتمردين الذين شيدوا بناء نهضتنا في القرن الماضي محمود مختار رائد فن النحت الحديث في مصر، لقد ولد في 10 مايو سنة 1891 في ريف الدلتا ونشأ فيه، ومنذ سني طفولته في قرية نشا بلدة أمه عرف التمرد عندما كان يذهب وهو طفل صغير إلى مقهى القرية ليستمع إلى حكايات الراوي الشعبي، ثم يهرب من الكتاب إلى الترعة ليصنع من الطين الموجود على ضفافها تماثيل تجسد شخصيات هذه الحكايات.
وعندما أكمل مختار عامه العاشر كان تمرده الثاني، فعندما كان يصنع التماثيل من الطين ويقوم بحرقها في فرن المنـزل كان أخواله يعتبرون أن ما يقوم به عبارة عن إهدار للوقت، وكانت أمه قد انتقلت إلى القاهرة للعلاج، فقرر مختار أن يهرب من القرية وأن يذهب إلى القاهرة ليلحق بها، وقد ساعده على رحلة الهرب شيخ متمرد من شيوخ قريته هو الشيخ محمد أبو غازي.
وفي الوقت الذي كانت أمه تخطط لإلحاقه بالأزهر لكي يتخرج شيخًا، وكان هذا منتهى طموح أي أسرة ريفية متوسطة حينئذ، أسس الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة، فكان مختار أول طالب يلتحق بها متمردا على أحلام أمه، ومتحديا أخوته من الأب الذين كان يعتبرون أنه لن يكون إلا نقاشا بشهادة، فأسقط مختار من يومها اسم أبيه ولقب أسرته من أسمه وأصبح منتسبا إلى نفسه الحرة دون غيره، أصبح محمود مختار فقط وهو اسمه المركب.
وكانت مصر في تلك الفترة تشهد صعودًا للحركة الوطنية التي اصطدمت بمحاولات الاحتلال والخديوي والحكومة لمصادرة الحريات العامة فخرجت المظاهرات في الشوارع، وانخرط مختار فيها، وفي إحداها شد ذيل فرس حكمدار القاهرة الإنجليزي، وأسقطه أرضا، فقبض عليه وفصل من المدرسة وكان قد أصبح واحدا من قادة الطلاب بها، يتزعمهم في المظاهرات ويقود حركتهم ضد تغيير اللوائح، ولولا إيمان أساتذته بموهبته لما قدر له أن يكمل دراسته.
وفي عام 1911، خرج في أول بعثة مصرية لدراسة الفنون الجميلة في باريس وهناك أعاد اكتشاف مصريته فتمرد على التقاليد الفنية التي تعلمها في مدرسة الفنون في القاهرة وفي باريس وصاغ أسلوبه الفني الخاص به، فقد أعاد النظر في فن النحت المصري القديم وأعاد صياغته مرة أخرى في لحظة من لحظات التمرد وتحطيم ثوابت الفن التشكيلي وثوابت المجتمع التي كانت سائدة في هذا الوقت.
وكان من القيم الأساسية التي وضعها مختار من خلال أعماله في مسيرته للتمرد على الثوابت التقليدية إعلاء قيمة المرأة وقيمة العمل، فإحدى القيم الأساسية في أعمال مختار قيمة المرأة وهي تعمل، وتحديدًا المرأة الفلاحة، كانت المرأة رمزًا في كل أعمال مختار الفنية، وعندما نحت تمثال نهضة مصر أختار الفلاحة المصرية رمزا للنهضة، فكان بذلك متمردا من الطراز الأول على ثوابت مجتمعه، لقد جعل تمثالا لبنت ريفية مصرية يحتل أهم ميدان في العاصمة، وقد أكمل مختار عمله في التمثال أواخر عام 1926، ولم يزح الستار عن التمثال إلا في 20 مايو 1928، والسبب هو أن الملك فؤاد كان يرى أن ما قام به مختار من اختيار الفلاحة المصرية رمزاً للنهضة هو تحدي لسلطة القصر، فحتى ذلك الوقت لم يكن هناك تمثال ميدان في مصر إلا تماثيل أفراد الأسرة الحاكمة أو كبار رجال الدولة مثل نوبار باشا ولاظ أوغلي وسليمان باشا الفرنساوي، وحتى تمثال الزعيم مصطفى كامل لم يُسمح بإخراجه إلى موقعه الحالي إلا بعدها بسنوات طويلة، فكان اختيار الفلاحة المصرية رمزًا لنهضة مصر تحديًّا للسلطة، والذي زاد من ضراوة هذا التحدي أن مختار وقد أصبح النحات الأول في مصر الذي تلتف الجماهير حول فنه لم ينحت تمثالاً واحدًا للملك فؤاد، وعندما وجه له بعض أصدقائه النصح بضرورة عمل بورتريه نصفي للملك حتى يرضيه، بدأ في إعداد التمثال فأبدى الملك ملاحظات فنيه عليه، فما كان من مختار إلا أن دمر التمثال تمامًا ولم يكمله ولا توجد له إلا صورة وحيدة في مرحلة التشكيل بالطين، وكل الأعمال الأخرى التي صنعها مختار لشخصيات كانوا من وجهة نظره يمثلون رموزًا للاستنارة، أو لبعض أصدقائه وصديقاته.
لقد كان مختار دائم التمرد على ثوابت هذا المجتمع وانقطع هذا التمرد برحيله في 27 مارس عام 1934، لكن إذا كان مختار قد رحل وتوقف إنتاجه الفني، فإن رحلة التمرد مازالت في حاجة إلى متمردين جدد.
لو عايز أطبّق عليه بقى تنسيق د. أيمن نور (تكبير أول جملة بكل فقرة + إخراج بصري قوي) أو نحوله لمقال رأي جاهز للنشر بنفس التعليمات الثابتة، قولّي وهنفذه لك حرفيًا.





