حقوق وحرياتملفات وتقارير

الحكم بسجن سعدية مصباح ثماني سنوات يفضح استهدافا سياسيا للنضال ضد العنصرية

يواجه العمل المدني في تونس منعطفا حاسما عقب صدور أحكام قضائية مشددة تقضي بحبس الناشطة سعدية مصباح لمدة ثماني سنوات مع فرض غرامات مالية باهظة، وتأتي هذه العقوبات في سياق ملف قانوني شمل عددا من مناضلي ومناضلات جمعية منامتي الذين واجهوا تهما تتعلق بغسل الأموال، حيث تضمن الحكم أيضا عقوبات تكميلية تقضي بالحرمان من حقي الترشح والانتخاب لفترة محددة ضد عدد من المتهمين في ذات القضية التي أثارت جدلا واسعا في الأوساط الحقوقية والسياسية، وتعتبر هذه الأحكام هي الأقسى ضمن سلسلة الملاحقات التي طالت نشطاء المجتمع المدني خلال الفترة الأخيرة بموجب تكييفات قانونية مثيرة للجدل،

الحكم بسجن سعدية مصباح ثماني سنوات ومنظمات حقوقية تندد باستهداف سياسي للنضال ضد العنصرية

تستند القضية التي لاحقت سعدية مصباح ومجموعة من النشطاء إلى تحقيقات بدأت في شهر مايو من عام ألفين وأربعة وعشرين وشملت قائمة واسعة من الحقوقيين والمحامين، ويرى مراقبون أن توظيف تهمة غسل الأموال بات نمطا متكررا في القضايا التي تستهدف الحراك المدني والتضامني في البلاد، حيث تفتقر هذه القضايا في كثير من الأحيان إلى الأركان المادية للجريمة وتعتمد على تقارير تعتبرها الجهات المعارضة ناتجة عن توجهات السلطة التنفيذية، ويهدف هذا المسار القضائي إلى تحجيم الأدوار التي تلعبها الجمعيات المستقلة في مراقبة ملفات حقوق الإنسان والتعامل مع قضايا التمييز العنصري التي تصاعدت حدتها مؤخرا،

تشير المعطيات الرسمية إلى أن سعدية مصباح قضت ما يقرب من سبعمائة يوم في الاحتجاز قبل صدور هذا الحكم الذي تزامن مع تنامي خطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي، وتعكس هذه الأحكام رغبة في السيطرة على الفضاء العام عبر استهداف الأصوات التي تتبنى مواقف مغايرة للتوجهات الرسمية خاصة فيما يتعلق بملف الهجرة وحراسة الحدود، وتكشف تفاصيل الحكم الصادر بحق جمعية منامتي عن أبعاد سياسية تتجاوز الشق الجنائي لتصل إلى حد الإقصاء من الحياة السياسية عبر آلية الحرمان من الانتخاب، وهو ما يضع مئات الناشطين أمام تحديات قانونية وإجرائية معقدة تهدد استمرارية العمل الجمعياتي المستقل،

تتزايد المخاوف من أن تتحول محاكمة سعدية مصباح إلى نموذج يتم تعميمه لتصفية المنظمات التي ترفض السردية الرسمية حول ملفات الحقوق والحريات في تونس، وتضم قائمة الجهات التي تابعت الملف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة محامون بلا حدود، بالإضافة إلى جمعية أصوات نساء والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وحملة ضد تجريم العمل المدني، حيث تتقاطع كل هذه القوى عند نقطة التحذير من مغبة استخدام القضاء كأداة للترهيب السياسي، وتعتبر أن تصفية ملفات المعارضة تحت غطاء مكافحة الجرائم المالية يفرغ العمل الحقوقي من مضمونه ويحول النشطاء إلى أكباش فداء،

تتجلى خطورة الحكم في كونه استهدف قيادات جمعية منامتي التي تنشط بشكل أساسي في الدفاع عن حقوق ذوي البشرة السوداء ومواجهة التمييز، مما يعطي القضية بعدا يتعلق بالهوية والحقوق المدنية الأساسية في تونس، ويرى المتابعون أن إقحام المؤسسة القضائية في صراعات سياسية يؤدي إلى تصحير الساحة من الكفاءات المدنية القادرة على تقديم رؤى بديلة، ومع استمرار حبس سعدية مصباح لسنوات طويلة تظل التساؤلات مطروحة حول مستقبل التعددية وضمانات المحاكمة العادلة في ظل مناخ عام يتسم بالتشدد تجاه كل من ينتقد السياسات المتبعة في إدارة الملفات الحقوقية والاجتماعية، لا سيما مع غياب الأدلة القطعية في اتهامات غسل الأموال الموجهة،

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى