مقالات وآراء

حسن نافعة يكتب : خيارات ترامب المتورّط في حرب عدوانية على إيران

يرى مراقبون كُثرٌ أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حشر نفسَه في مأزق قد لا يستطيع الخروج منه بعد تورّطه في حرب عدوانية على إيران جرّته إليها إسرائيل، ما يفسّر شعوراً بالقلق بدأ ينتاب شرائحَ واسعةً من نُخب سياسية وفكرية أميركية انساقت وراء شعار “أميركا أولاً”، وتصوّرت أنّ ترامب هو الرجل القادر على “جعل أميركا عظيمةً مرّةً أخرى”.

بل إنّ نسبةً لا يُستهان بها من قاعدته الانتخابية بدأت تثير الشكوك حول حقيقة الدوافع المحرّكة لسلوك (ومواقف) رئيسها الذي لم يعد يرى إلا نفسه تجاه قضايا الشرق الأوسط، بعدما لاحظت مدى حرصه على ترجيح كفّة المصالح الإسرائيلية، حتى لو تناقضت مع المصالح الأميركية، في كلّ مرّة تعيّن عليه المفاضلة بينهما، ما يوحي بأنّه يستوحي قناعاته الفكرية والسياسية من شعار “إسرائيل أولاً وأخيراً” بدلاً من شعار “أميركا أولاً”.

من المفيد إعادة تذكير القرّاء بأنّ لدى ترامب سجّلاً حافلاً يؤكّد انحيازه الأعمى لإسرائيل. فعقب دخوله البيت الأبيض المرّة الأولى، مستهلّ عام 2017، شرع (على الفور) في اتخاذ سلسلة من القرارات، أقلّ ما يمكن أن تُوصف به أنّها فاقت تطلّعات أكثر تيّارات اليمين الإسرائيلي تطرّفاً، فقد شملت الاعتراف بمدينة القدس “عاصمةً أبديةً موحَّدةً” لإسرائيل، ونقل مقرّ السفارة الأميركية إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، وغير ذلك من قراراتٍ لم يجرؤ أيُّ رئيس أميركي على اتخاذها.

ثم راح يبلور تصوّره الشخصي لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، ويطرحه في ورقة حملت عنوان “صفقة القرن”، وهو التصوّر الذي عكس بوضوح مواقف سياسية مستمدَّة من أساطير دينية ترى في فلسطين التاريخية “أرضاً موعودة” لليهود، وتختزل القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني، وبالتالي قابلةً للتسوية عبر مشروعات تنموية في المنطقة توفّر ما يكفي من فرص العمل لتوطين جميع اللاجئين الفلسطينيين في أماكن وجودهم. لذا يمكن القول، من دون تجاوز، إنّ هذه “الصفقة” لم تكن سوى مخطّط صُممّ لتصفية القضية الفلسطينية، بدليل حرصه الشديد على دفع عدة دول عربية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بعدما صاغ مفهوماً مخادعاً حمل عنوان “الاتفاقات الإبراهيمية”، ما أدّى إلى نسف قرار قمّة بيروت العربية لعام 2002 التي اشترطت قيام الدولة الفلسطينية المستقلة أولاً قبل الشروع في عملية التطبيع.

حين عاد ترامب إلى البيت الأبيض بعد أربع سنوات من الغياب، كان نتنياهو ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر

وكان ترامب، في الوقت نفسه، يدرك أنّ وضع رؤيته لتسوية الصراع في المنطقة يتطلّب تطويع النظام الإيراني وإجباره على تغيير سياساته ولو بالقوة، ما يفسّر قراره بالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني الذي وقّعه الرئيس باراك أوباما عام 2015، وفرضه “عقوبات قصوى” على إيران.

وليس من المبالغة القول إنّه لو كان قد قُدِّر لترامب أن يفوز بفترة ولاية ثانية في انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت نهاية عام 2020، لعادت “صفقة القرن” تتصدّر جدول أعماله من جديد، ولدخل في مواجهة مسلّحة مع النظام الإيراني. غير أن الأقدار شاءت أن يخسر هذه الانتخابات، وأن تنجح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في تفجير “طوفان الأقصى” إبّان ولاية بايدن.

حين عاد ترامب إلى البيت الأبيض بعد أربع سنوات من الغياب، كان نتنياهو ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، ويتطلّع بشغف كي يستكملا ما بدآه معاً قبل ذلك بسنوات، خصوصاً أنّ الأخير كان قد نجح في قطع الطريق أمام خطط بايدن التي استهدفت عودة الولايات المتحدة إلى التزام اتفاق 2015.

لم يكن من الصعب على نتنياهو، في سياق كهذا، إقناع ترامب بأنّه سيكون من المستحيل وضع رؤيتهما المشتركة لما ينبغي أن تكون عليه منطقة الشرق الأوسط موضع التطبيق قبل إزاحة النظام الإيراني، ما يفسّر تحرّكات ترامب اللاحقة. فقد وافق على مشاركة إسرائيل في حرب محدودة على إيران منتصف العام الماضي (حرب الاثني عشر يوماً)،

تولّى الجيش الأميركي خلالها مهمّة تدمير المنشآت النووية الإيرانية الحصينة، وبعد ما يقرب من سبعة أشهر بدا معها حريصاً على أن تضطلع إدارته بالدور القيادي في حرب شاملة على إيران، بدأت في 28 فبراير/ شباط الماضي، ولا تزال مشتعلةً حتى كتابة هذه السطور.

الحرب المشتركة على إيران تطوّر طبيعي لأزمة بنيوية في النظامين الأميركي والصهيوني

لم تكن مشاركة الولايات المتحدة إسرائيل في شنّ الحرب على إيران نتاج حدث ظرفي عابر أو خطأ في الحسابات من أجهزة صنع القرار هنا أو هناك، وإنما جاءت تطوّراً طبيعياً لأزمة بنيوية أمسكت بتلابيب النظامين الأميركي والصهيوني، ثم راحت تتراكم وتتعمّق بمرور الوقت.

فبقدر ما عكست الظاهرة “الترامبية”، إن جاز التعبير، أزمةً بنيويةً في نظام الهيمنة العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، عكست الظاهرة “النتنياهوية”، إن جاز التعبير، أزمةً بنيويةً داخل الكيان الصهيوني يطمح إلى الهيمنة الإقليمية على منطقة الشرق الأوسط برمّتها.

ليس معنى ذلك أنّ كلتا الإدارتين، الأميركية بقيادة ترامب والصهيونية بقيادة نتنياهو، لم ترتكبا أخطاءً في الحسابات حين اتخذتا قرارهما المشترك شنّ الحرب الشاملة، فقد ارتكبتا بالفعل أخطاءً جسيمة، لكنّها لم تكن أخطاءً ناشئة، وإنما كاشفة للأزمة قد يساعد ارتكابها على تعميق الأزمة وتسريع وتيرتها، لكنّه لا يحول دون استمرارها. بل يمكن القول إنّها من قبيل الأخطاء التقليدية الناجمة عن غرور القوة، وعن إحساس متزايد لدى أجهزة صنع القرار بعمق الأزمة. فقد بنى ترامب ونتنياهو حساباتهما استناداً إلى تصوّر أن النظام الإيراني لن يصمد أمام ضربة ساحقة ماحقة تنجح في اغتيال معظم قيادات الصفّ الأول، السياسية والعسكرية، وبالتالي سينهار على الفور، أو بالتدرّج خلال فترة قصيرة. لكن ما حدث كان العكس؛ صحيح أنّ الضربة الافتتاحية كانت ناجحة، فأدّت بالفعل إلى اغتيال جميع قيادات الصفّ الأول، بمن فيها المرشد الأعلى، لكنّ النظام تماسك، وتمكنّ من الردّ المؤثّر، بل راح بمرور الوقت يزداد تأثيراً وتصميماً على مواصلة القتال.

والواقع أن الفحص المدقّق لمسار الحرب، التي توشك على الدخول في شهرها الثاني، يؤكّد ما يوحي بأن الحرب ليست في طريقها نحو الحسم لمصلحة الأطراف التي بادرت بشنّها، وإنما بأنّ استراتيجية الاستنزاف التي تنتهجها إيران أكثر فاعليةً وكفاءةً من استراتيجية الحرب السريعة أو الخاطفة التي تنتهجها إسرائيل والولايات المتحدة. صحيح أنّ هناك فجوة هائلة في القوة لمصلحة الأطراف التي بادرت بالهجوم، إذ استطاعت هذه الأطراف أن تُلحق بإيران خسائر ضخمة، غير أنّ الأخيرة تمكّنت من سدّ هذه الفجوة، ما تجلّى بوضوح عبر تمكّنها من الردّ الموجع وصمودها المتواصل، الذي يبدو أنّه سيستمرّ فترةً طويلةً،

وربّما أطول بكثير من قدرة الأطراف المهاجِمة، معتمدةً في ذلك على عناصر قوة عديدة يبدو أنّ الأطراف المهاجَمة لم تأخذها في الاعتبار، أهمّها ثقافة ذات عمق حضاري متجذّر، وتضاريس معقّدة توفّر الحماية والقدرة على التخفّي والاختباء، وموقع جيوسياسي فريد، وموارد طبيعية وبشرية وفيرة ومتنوّعة، وغيرها من العناصر التي مكّنت إيران من إحكام السيطرة على مضيق هرمز وإدارته بطريقة بالغة الذكاء، ومن حماية ترسانتها الصاروخية التي استخدمتها بحكمة وكفاءة وفاعلية، ما قد يشي بمفاجآت في الطريق، وأيضاً من الردّ بطريقة متدرّجة وقادرة على الوصول إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي إلحاق الأذى ليس بالكيان الصهيوني فحسب، وإنّما بالقواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في طول المنطقة وعرضها.

يبدو مأزق الحرب الذي دخل فيه ترامب بمحض إرادته محكماً ولا مخرج منه

كان هدف ترامب الوحيد، حين قرّر شنّ هذه الحرب، إسقاط النظام الإيراني الحالي واستبداله بنظام عميل على غرار نظام الشاه، غير أن صمود هذا النظام أجبر ترامب على تغيير موقفه وإبداء استعداده للتفاوض مع النظام نفسه الذي سعى لإسقاطه، فقام أخيراً بطرح مسوّدة اتفاق تتضمّن 15 بنداً. غير أنّ ما يثير الانتباه هنا هو إصرار ترامب على أنّه انتصر، وأنّ النظام الإيراني هُزم، ويدعوه، في الوقت نفسه، إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. فالمنتصر لا يفاوض، وإنّما يجبر المهزوم على التوقيع على صكّ استسلام، وهو ما لم يحدث، وليس من المتوقّع أن يحدث في المستقبل القريب.

لذا تبدو الخيارات المتاحة أمام ترامب، في سياق كهذا، محدودةً جدّاً؛ فالطريق إلى مفاوضات حقيقية وجادّة يفرض على مختلف الأطراف تقديم تنازلات متبادَلة، وهو ما لا يستطيعه ترامب، لأنّه سيواجَه حينئذ بعقبتَين رئيستَين تحولان دون انتهاج هذا الطريق: الأولى نتنياهو الذي سيرفض حتماً تقديم أيّ تنازلات، خصوصاً أنّ مستقبله السياسي يتوقّف على نجاحه في استدامة الحرب. والثانية هي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي سيخسرها ترامب حتماً ما لم ينجح في إقناع الرأي العام الأميركي بجدوى إقحام بلاده في حرب لا تفيد سوى نتنياهو، خصوصاً إذا استمرّت إيران في إحكام سيطرتها على مضيق هرمز، بكلّ ما سيترتّب على ذلك من تبعات اقتصادية سيتحملها المستهلك الأميركي.

أمّا إذا قرّر ترامب عملية جوّية كبرى تؤدّي إلى تدمير البنية التحتية المدنية في إيران، أو عملية بحرية تؤدّي إلى السيطرة على مضيق هرمز وفتحه بالقوة أمام الملاحة العالمية، أو عملية برّية تؤدّي إلى احتلال جزر إيرانية وحرمان إيران من تصدير نفطها إلى الخارج… فلن تضمن له أيّ من هذه العمليات تحقيق نصر حاسم بالضرورة أو إجبار الخصم على توقيع صكّ الاستسلام، فضلاً عن أنّ جميع هذه البدائل مكلفةٌ بشرياً ومادّياً، ما يؤكّد من جديد أنّ المأزق الذي دخل فيه ترامب بمحض إرادته يبدو مأزقاً محكماً ولا مخرج منه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى