تداعيات المواجهة العسكرية المباشرة في الشرق الأوسط ومستقبل سياسة ترامب الخارجية تجاه إيران

تتصدر سياسة ترامب الخارجية المشهد الدولي عقب التصعيد العسكري الأخير ضد طهران وما تبعه من تداعيات جيوسياسية واسعة النطاق في المنطقة العربية، حيث تعكس التحركات الميدانية الحالية فجوة ملموسة بين التوجهات المعلنة للإدارة الأمريكية وبين آليات التنفيذ التي اتسمت بالاعتماد على أدوات القوة المفرطة والإكراه الشامل، وهو ما يضع الاستراتيجية المتبعة تحت مجهر الفحص والتدقيق نظرا لخطورة المسار الحالي على توازن القوى العالمي في ظل غياب المبادئ الموجهة للقرار السياسي،
تتبنى إدارة الرئيس دونالد ترامب خطابا يروج لمنهج البراغماتية والانضباط الاستراتيجي خلال فترة ولايته الثانية لتفنيد اتهامات التهور التي تلاحق أداءه الدبلوماسي، ويرتكز هذا الخطاب على مفهوم الواقعية المرنة المستوحى من أفكار المؤرخ اليوناني ثوسيديدس حول هيمنة الأقوياء وخضوع الضعفاء لموازين القوى القاهرة، وهو ما يدفع بعض الدوائر البحثية لاعتبار القوة هي العملة الوحيدة المعترف بها في إدارة الصراعات الدولية بعيدا عن المثالية التقليدية التي ميزت عقودا طويلة من السياسة الخارجية الأمريكية،
موازين القوى في اختبار المواجهة الإقليمية
تؤكد ريبيكا ليسنر بالاشتراك مع ميرا راب هوبر أن التحركات العسكرية الأخيرة كشفت عن غياب المنهج الواقعي الحقيقي في إدارة الأزمة مع الجانب الإيراني، حيث يفتقر إشعال فتيل حرب إقليمية واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط إلى مبررات مقنعة أو رؤية استراتيجية واضحة تضمن تعزيز المصالح القومية العليا للولايات المتحدة، وهو ما يتناقض كليا مع الأسس الفكرية لمدرسة الواقعية التي تدعو دائما إلى الحذر وتجنب الانزلاق في صراعات استنزافية غير محسومة النتائج أو التكاليف على المدى البعيد،
توضح ريبيكا ليسنر بالتعاون مع ميرا راب هوبر أن التوسع في استخدام الخيارات العسكرية يعكس حالة من عدم الاستقرار في صنع القرار داخل البيت الأبيض حاليا، إذ تخلت الإدارة فعليا عن ادعاءاتها بتمثيل النهج العملي والواقعي في التعامل مع الملفات الشائكة مما أدى إلى فتح المجال أمام قوى سياسية أخرى لمحاولة سد الفراغ الناتج عن هذا التخبط، وتبرز الحرب الحالية كنموذج للمخاطر الجسيمة التي قد تترتب على غياب المبادئ الثابتة في توجيه دفة العلاقات الدولية وسط أجواء من التوتر المتصاعد،
تراجع المبادئ في الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة
تعتمد السياسة الخارجية الحالية على فرضية أن القوة تمنح صكا مفتوحا للتحرك الهجومي دون مراعاة للقوانين الدولية أو الأعراف الدبلوماسية المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية، ويظهر هذا بوضوح في طريقة التعامل مع الأزمة الإيرانية التي تجاوزت حدود الردع التقليدي إلى مرحلة الصدام المباشر الذي يهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية والأمن الإقليمي، وهو ما يجعل من الصعب تصنيف هذه التحركات ضمن أطر استراتيجية منضبطة تخدم الأهداف الجيوسياسية بعيدة المدى للدولة الأمريكية في المنطقة،
تستمر التفاعلات الميدانية في الكشف عن التناقض الصارخ بين وعود الانعزالية وحماية الموارد وبين الانخراط في حروب مكلفة مادية وبشرية لا يبدو لها أفق سياسي واضح، ويظل دونالد ترامب في مواجهة تحديات كبرى لإثبات جدوى هذا المسار التصعيدي الذي يصفه البعض بالمجازفة غير المحسوبة في توقيت دولي حرج، حيث تغيب الرؤية الموحدة التي تدمج بين القوة العسكرية وبين الدبلوماسية الوقائية لمنع انهيار النظام الإقليمي تحت وطأة المواجهات المستمرة التي لا تخدم سوى منطق القوة المجردة،







