
لم تكن تصريحات ضياء رشوان، وزير الإعلام، مجرد رأي عابر في نقاش اقتصادي… بل كانت نموذجًا صارخًا لكيف يمكن لخطاب رسمي أن يُضلّل، لا أن يشرح… وأن يُبسّط حدّ الإخلال، لا أن يُنير الفهم.
الرجل قرر أن يقيس العدالة الاجتماعية بعدد الأرغفة…
أن يضع “الباجت الفرنسي” في كفة… و”رغيف التموين” في كفة… ثم يخرج علينا باستنتاجٍ يوحي أن المصري يعيش أفضل!
هكذا… بكل هذه الخفة التي لا تليق لا بعلمٍ ولا بمسؤولية.
أي مقارنة هذه التي تضع خبزًا مدعومًا يُباع بأقل من تكلفته… أمام خبزٍ يُباع بسعره الحقيقي؟
أي منطق اقتصادي يسمح بأن نقارن بين سلعة تُموَّل من عجز الموازنة… وسلعة تُشترى من دخلٍ حقيقي؟
الحقيقة التي تجاهلها وزير الإعلام — أو تجاهلها عن عمد — أن “رغيف التموين” ليس ميزة… بل علامة خطر.
هو ليس دليل عدالة… بل شهادة على أن دخل المواطن لا يكفي ليأكل دون دعم.
وإذا أراد ضياء رشوان أن يقارن بصدق، فليترك رغيف التموين جانبًا…
وليقارن بما هو غير مدعوم.
ليأخذ “الباجت الفرنسي” نفسه… ويحسب كم يستطيع المواطن المصري أن يشتري منه داخل مصر، لا في باريس.
هنا فقط… تبدأ الحقيقة في الظهور.
الأرقام — التي لا تحب الخطاب الإنشائي — تقول بوضوح:
الحد الأدنى للأجور في مصر لا يشتري إلا عددًا محدودًا من هذا الخبز…
بينما الحد الأدنى للأجور في فرنسا يشتري أضعافه مرات عديدة… حتى لو تم الشراء من السوق المصري نفسه.
وإذا خرجنا من الخبز إلى ما هو أبسط في حياة الناس… تتسع الفجوة بشكل فاضح:
الدخل في مصر بالكاد يشتري أساسيات الغذاء،
بينما في فرنسا يستطيع المواطن أن يشتري لحومًا ودواجن، ويؤمّن احتياجات أسرته، ويدخر، ويخطط للمستقبل.
الفارق الحقيقي لا يُقاس بالرغيف… بل بما وراء الرغيف:
• كم كيلو لحم يستطيع المواطن أن يشتري؟
• كم وجبة متكاملة يستطيع أن يوفرها؟
• كم شهرًا يحتاج ليشتري سيارة؟
• كم عامًا يحتاج ليعيش دون ديون؟
هنا فقط… تسقط أوهام المقارنة.
لأن المقارنة التي طرحها وزير الإعلام لم تكن مقارنة اقتصادية… بل كانت خدعة حسابية.
تم اختيار عنصر واحد… مدعوم… مشوّه السعر…
ثم تم تعميمه على واقعٍ كامل.
الأخطر من ذلك… أن هذا الخطاب لا يكتفي بتزييف الأرقام…
بل يُعيد تعريف العدالة الاجتماعية نفسها.
فتتحول العدالة من “حق في حياة كريمة” إلى “قدرة على البقاء فقط”.
العدالة ليست أن تعطي المواطن رغيفًا رخيصًا…
بل أن تعطيه دخلًا كافيًا ليختار ماذا يأكل، وماذا يلبس، وأين يعيش.
العدالة ليست بطاقة تموين… بل استقلال اقتصادي.
في فرنسا، لا يحتاج المواطن إلى دعم الخبز…
لأنه ببساطة… قادر.
لا يقف في طابور، ولا ينتظر استحقاقًا، ولا يخشى الحذف من منظومة.
هو يشتري… لأنه يعمل… ولأن دخله يكفيه.
أما في مصر، فقد أصبح الخبز المدعوم ملاذًا لا اختيارًا…
وأصبح الحديث عنه كإنجاز… محاولة لتجميل واقعٍ لا يُجمَّل.
لذلك، فإن مقارنة “الباجت الفرنسي” برغيف التموين… ليست فقط خطأ اقتصاديًا…
بل إهانة لفكرة الإنسان نفسها.
لأن الإنسان لا يُقاس بما يُعطى له… بل بما يستطيع أن يحصل عليه بكرامة.
كان الأجدر بوزير الإعلام أن يشرح للناس لماذا تتآكل دخولهم…
لا أن يقنعهم بأنهم أفضل حالًا لأنهم يحصلون على خبزٍ أرخص.
فالخبز الرخيص… لا يصنع وطنًا قويًا…
كما أن الفقر المُدار… لا يصنع عدالة.
الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها مهما تغيّرت طريقة عرضها:
المواطن لا يريد أن يعيش على الحد الأدنى من البقاء…
بل على الحد الأدنى من الكرامة.
وقد يشتري المصري رغيفًا أرخص…
لكن الفرنسي يعيش حياةً أكرم.
وهنا… تنتهي كل المقارنات، قبل أن تبدأ.







