
مساء 27 مارس 2026، في ميامي بيتش – ولاية فلوريدا الأمريكية، وعلى منصة مؤتمر Future Investment Initiative – FII PRIORITY Miami 2026 (مبادرة مستقبل الاستثمار – أولوية ميامي)، وهو منتدى استثماري دولي تنظمه مبادرة سعودية برئاسة الأستاذ ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة، كان المنتظر أن تُبنى الكلمات على أسس الاقتصاد، وأن تُدار الحوارات بروح الشراكة، فإذا بالمشهد ينزلق إلى خطابٍ يثير الدهشة، ويختبر حدود اللياقة السياسية.
حديث دونالد ترمب لم يخرج فقط عن الإطار المتوقع، بل تجاوز إلى استخدام تعبير عامي فَجّ—“kissing my ass”—وهو تعبير لا مكان له في خطاب سياسي أو استثماري، ويحمل دلالة التذلل المهين. لم يُذكر الاسم داخل العبارة، لكن السياق الذي ورد فيه الحديث عن محمد بن سلمان جعل الإحالة واضحة، بما يمنح الكلمات ثقلًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
الدقة تفرض التأكيد أن الإهانة لم تأتِ في صيغة مباشرة، لكنها صيغت في سياق محسوب، يحمل من الإيحاء ما يكفي ليجعلها أكثر خطورة من التصريح الصريح… لأنها تقول دون أن تتحمل مسؤولية القول الكامل.
نحن نختلف ونتفق مع محمد بن سلمان، لكننا لا نقبل أبداً بتوجيه مثل هذه الإهانة، التي لا تمس شخصه فقط، ولا حتى الشعب السعودي الشقيق، لكنها تمس كرامتنا كعرب، وأمن دول الخليج، كما أنها تكشف عن تجاوز فجّ، وجليطة سياسية، وقلة احترام من جانب رئيس أمريكي يتعامل مع الحلفاء بمنطق الصفقة لا بمنطق الشراكة.
الإشكال لم يقف عند حدود العبارة، بل امتد إلى توصيفات بالغة الخطورة… حين تحدث ترمب وكأن دول الخليج—ومنها السعودية والإمارات وقطر—طرف مباشر في مواجهة عسكرية، مستخدمًا عبارات توحي بأنها “تقاتل” و“تتعرض لضربات صاروخية”.
هذا الطرح لا يسيء فقط إلى الواقع، بل يمنح—بشكل غير مباشر—مبررات يمكن أن تُستغل لتبرير أي تصعيد من جانب إيران، عبر تصوير الخليج كطرف في الحرب، بينما تؤكد المواقف الرسمية لدول المنطقة حرصها على التهدئة.
الكلمة هنا ليست مجرد تعبير… بل قد تتحول إلى مبرر، وربما إلى شرارة. وهنا يظهر الفارق بين رجل دولة يزن كلماته، ورجل منصة يطلقها بلا حساب.
المفارقة أن هذا الخطاب يتقاطع—في نتائجه—مع ما تسعى إليه إسرائيل من توسيع دائرة التوتر، ودفع المنطقة إلى صراعات متعددة تُستنزف فيها القدرات.
من هنا، فإن قراءة ما قيل لا يجب أن تقف عند حدود الصدمة، بل يجب أن تمتد إلى فهم ما يحمله من رسائل… فالكلمات في مثل هذه اللحظات قد تعيد رسم خرائط، لا مجرد عناوين.
الموقف المطلوب ليس انفعالًا، بل وضوحًا… أن الاحترام ليس خيارًا، وأن كرامة الدول ليست تفصيلًا، وأن الشراكات لا تُدار بلغة الإهانة.
كما أن اللحظة تفرض على الجميع—في الخليج والإقليم—ألا ينجروا إلى ما قد يُراد لهم، لأن أخطر ما في هذا الخطاب ليس ما قيل، بل ما يمكن أن يُبنى عليه.
لن نقول علاقة متكافئة، لكننا نقول علاقة محترمة… تُخاطب فيها الدول بما يليق بها، ويُخاطب فيها القادة بلغة السياسة لا بلغة الاستعراض.
ما جرى في FII PRIORITY Miami 2026 لم يكن مجرد خطاب… بل اختبار. اختبار لقدرة المنطقة على أن تقول بوضوح:
إن اللغة التي قد تليق ببائعي مساحيق الغسيل في أزقة وحواري نيويورك، لا يمكن أن تكون لغة السياسة أو الاستثمار…
ولا تليق برجل يدّعي أنه يحكم العالم، بينما يعجز عن التحكم في لسانه.







