
الحياة لا تفرض علينا طريقاً واحداً، بل تمنحنا دائماً مساحات للاختيار. والإنسان، في جوهر تكوينه، ليس كائناً مُسَيَّراً بالكامل، بل كائن مُهيأ للاختيار: بعقلٍ يفهم، ونفسٍ تتعلم وترتقي، وروحٍ تمنحه معنى الوجود.
وفي هذا الإطار، يأتي القرآن — في رؤيتي — ليس كنص يُملى على الإنسان، بل كنص يُخاطب إنسانيته، ويستنهض وعيه، ويدعوه إلى أن يكون شريكاً في الفهم، لا تابعاً في التلقي. القرآن، بهذا المعنى، ليس كتاب أوامر جامدة، بل نص حيّ، يتفاعل مع القارئ بقدر ما يتفاعل القارئ معه.
ولذلك كان قول الإمام علي بن أبي طالب دقيقاً حين وصفه بأنه “حمّال أوجه”. لكن هذه العبارة، التي تُفهم أحياناً كمدخل للفوضى في التفسير، هي في حقيقتها اختبار أخلاقي للعقل الإنساني: أنت لا تكتشف معنى النص فقط… بل تكشف عن نفسك من خلاله. النص لا يصنع التعصب… بل يكشفه، وحين يقرأ إنسانٌ القرآن بحثاً عن الرحمة، سيجدها، وحين يقرأه آخر بحثاً عن العنف، سيجد ما يظنه تبريراً له. ليس لأن القرآن متناقض — بل لأن الإنسان انتقائي.
وهنا تظهر أخطر ظاهرة في الوعي الديني: الانتقاء الأخلاقي للنصوص، فيتحول النص من مصدر للهداية إلى أداة للتبرير. وتُكتم آيات، لا لأنها غير موجودة، بل لأنها لا تخدم الهوى. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن نقرأ القرآن… أم نستخدمه؟
الدين بين الحرية والوصاية
من أخطر ما يُقال في وجه أي محاولة للفهم الحر: “أنت لست عالم دين”. وكأن الله — الذي خلق العقل — قد اشترط وساطة بشرية بينه وبين خلقه. وكأن النص الإلهي نزل لفئة محددة، لا للناس كافة. هذه الفكرة لا تُقصي فقط حرية التفكير، بل تُؤسس لنوع من الاحتكار الروحي، حيث يتحول الدين من تجربة إنسانية مفتوحة إلى سلطة مغلقة. بينما القرآن نفسه يكرر، بإصرار وجوبي، دعوات التفكير: (أفلا تعقلون، أفلا تتفكرون، أفلا يتدبرون)؛ فكيف يصبح التفكير تهمة؟
مأزق “نحن فقط”
حين يختزل بعض المسلمين الجنة في ربع البشرية، فإنهم — دون أن يشعروا — لا يضيقون على الآخرين فقط، بل يضيقون على الله نفسه. أي تصور هذا الذي يجعل الخالق، الذي وسعت رحمته كل شيء، حاكماً بمنطق الإقصاء الضيق؟ إن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى إلغاء الآخر كي يثبت نفسه. بل على العكس، كلما اتسعت رؤيته، ازداد عمقاً.
التعصب يتجذر حين يفقد العقل شجاعته. المتعصب ليس من يختلف معك… بل من لا يستطيع أن يرى إلا نفسه. هو لا يقرأ الكلمات، بل يُسقط عليها ما يريد أن يراه. ولهذا، فإن أخطر ما في التعصب ليس العنف… بل العمى. عمى عن المعنى، وعن الإنسان، وعن جوهر الدين نفسه. القرآن — في جوهره — ليس كتاباً لإغلاق الأسئلة، بل لفتحها. ليس لإلغاء الاختلاف، بل لتنظيمه أخلاقياً. ليس لفرض الإيمان، بل لدعوة الإنسان إليه بحرية. إنه مشروع ارتقاء: من الخوف إلى الفهم، ومن التعصب إلى الرحمة، ومن التلقين إلى الوعي.
الخلاصة أننا نحن من نختار… كل مرة، فليست القضية في النص… بل في القارئ. كل واحد منا، حين يفتح القرآن، لا يختار فقط كيف يفهمه… بل يختار أي إنسان يريد أن يكون. هل نقرأ لنرتقي؟ أم نقرأ لنبرر؟ ذلك هو السؤال الحقيقي… وذلك هو الاختبار.
جريمة كتمان آيات القرآن
الآن أجيئ إلى ما استنفرني لكتابة هذا المقال.. فقد قرأت مقالاً بعنوان “جريمة كتمان آيات القرآن”، يتعجب فيه الكاتب الأستاذ “توفيق حامد” من كتمان العديد من آيات الله التي تتيح للمسلم اختياراته بهدف دفع المسلمين نحو اختيارات محددة من غيره.
- من يريد استخدام العنف مع غير المسلمين: يكتم الآية الكريمة: {وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.
- من يريد استخدام العنف مع زوجته: يتناسى آية: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} والتي تضع الإنسان بين خيارين لا ثالث لهما، ولا تضع استخدام العنف واحداً من هذه الخيارات!.
- الذي يريد نشر الدين من خلال الحروب والظلم والنهب: يتغافل عن الآيات: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، و {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}، و {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ}، و {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، و {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيُكْفرْ}، و {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}.
- من أراد إصدار الأحكام على الآخرين واتهامهم بالكفر: يغض الطرف عن قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}، و {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}، و {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ}، و {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ}.
- من أراد معاملة غير المسلمين بغلظة: يتناسى آية: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، ويتغافل عن: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، وينكر الآية التي تأمر بالرد بالإحسان: {ادْفَعْ بِالَّتِي هي أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}.
- من أراد معاداة وكره غير المسلمين: يتغافل عن الآية: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ}.
- من أراد القيام بعمليات انتحارية تقتل الأبرياء: يغض الطرف عن: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} فهو لا يدري كم نفساً بريئة قُتلت بسبب جريمته.
- من أراد ظلم غيره (فكرياً أو جاراً أو زوجة): يتغافل عن آيات تحرم الظلم مثل: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} ومثل {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ (أى الظالمون) فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} ومثل {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً}.
- من أراد إقرار الطلاق الشفوي بدون شهود: تعمد إهمال الآية الثانية في سورة الطلاق: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}.
- من أراد تقديس السلف واتباعهم بلا فكر: نسي عتاب الله على الأمم السابقة: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}، وغفل عن قصة إبراهيم الذي رفض اتباع قومه دون تفكير، ونسي الآية: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
- من أراد تحليل وتحريم الأشياء بهواه: نسي قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}.
- من أراد ادعاء أقوال على لسان الرسول: يتصرف كأنه لم يسمع: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}، و {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}.
- من أراد تكفير المسيحيين واليهود: كتم وتناسى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 62). ومن الواضح أن الآية لم تشترط الإيمان بمحمد أو بالقرآن لكي يكون الإنسان مقبولاً عند الله، وذلك أمر قد يكون مستغرباً عند البعض – ولكن هذا هو القرآن!
فمتى يكف المتشددون وأغلب رجال الدين الإسلامي عن كتمان آيات القرآن؟ ومتى يبدأون في نشر هذه الآيات لتكون نوراً فكرياً؟ ولا يسعني إلا أن أقول لمن يكتمون هذه الآيات ما ذكره القرآن في أمثالهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}.
العجيب أن هناك من لا يريد حرية الاختيار للمسلم بحجة أننا لسنا علماء دين. وفي ردود الأفعال لمقال الكاتب، كان هناك من يكفّره ويلحّده ويدعو عليه لأنه يرى الوجه السمح في آيات ربه!!!!!!
أفيقوا يرحمكم الله.







