شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: كامل الوزير يعترف… والأسعار تكتب شهادة فشل السياسات

كلماتٌ صادمة خرجت من كامل الوزير، لا تحتمل تأويلًا ولا تحتاج إلى شرح: أسعار النقل التي ارتفعت لن تعود، حتى لو انخفضت تكلفة الوقود. تصريحٌ مباشر، لكنه يكشف ما هو أبعد من مجرد قرار اقتصادي… يكشف نهجًا كاملًا يقوم على تحميل المواطن فاتورة اختلالات لم يكن طرفًا في صناعتها.
المشهد هنا لا يتعلق بسعر تذكرة أو تعريفة نقل، بل باعتراف رسمي بأن ما يُقدَّم باعتباره “إصلاحًا” ليس إلا نقلًا مباشرًا لعبء الأزمة إلى كاهل الناس. الاقتصاد لا يُدار بهذه الطريقة، بل تُدار بهذه الطريقة الأزمات حين تفشل السياسات في معالجتها من جذورها.
ما قيل لم يكن مجرد تفسير اقتصادي، بل كان اعترافًا سياسيًا صريحًا: رفع الأسعار ليس انعكاسًا مؤقتًا لارتفاع تكلفة الطاقة، بل جزء من معالجة عجزٍ هيكلي قائم. قرارٌ اتُّخذ داخل مجلس الوزراء، وحظي بتصديق مؤسسات الدولة كافة، بما فيها الجهات السيادية. هكذا ببساطة… تُرفع الكلفة على المواطن، لا لأن الأزمة طرأت، بل لأن العجز كان موجودًا.
هذا التصريح لا يمكن فصله عن لحظة أوسع: صرف دفعة جديدة من تمويل صندوق النقد الدولي. ذلك المال الذي يبدو في ظاهره دعمًا، بينما في جوهره مهلة مشروطة لإعادة ترتيب الحسابات. هنا يتكامل المشهد: تمويل خارجي يمنح وقتًا… وقرارات داخلية تُحمّل المجتمع كلفة هذا الوقت.
تصل الأموال، لكن شروطها تبدأ قبل أن تصل. تخفيض عجز، إعادة هيكلة دعم، انضباط مالي صارم. وبين هذه البنود، تجد الحكومات نفسها تميل إلى الطريق الأسهل: رفع الأسعار بدلًا من إعادة بناء الكفاءة، تحميل المواطن بدلًا من مراجعة بنية الإنفاق.
تصريح الوزير يكشف ما حاولت البيانات الرسمية إخفاءه: الزيادات ليست مؤقتة، ولا مرتبطة فقط بمتغيرات دولية كحرب أو أزمة إقليمية، بل هي جزء من خطة أعمق لمعالجة اختلالات داخلية. هنا تسقط الحجة التي ترددت كثيرًا بأن “الظروف الإقليمية” هي السبب الوحيد، ويظهر أن هذه الظروف لم تكن سوى نافذة مناسبة لاتخاذ قرارات مؤجلة.
المواطن، بطبيعة الحال، لا يتابع معادلات العجز والدين، لكنه يشعر بنتائجها فورًا. تكلفة النقل ترتفع، فتتبعها أسعار السلع، ثم تمتد العدوى إلى كل تفاصيل الحياة اليومية. التضخم لا يحتاج إلى بيانات رسمية كي يُفهم، بل يكفي أن يخرج المواطن إلى السوق.
هنا تتجسد المفارقة: الدولة تعلن إصلاحًا اقتصاديًا، بينما يشعر المواطن بضغط معيشي متزايد. الإصلاح الحقيقي يُقاس بقدرته على تخفيف الأعباء، لا بتبرير زيادتها. أما أن يصبح رفع الأسعار هو الأداة الأساسية، فتلك ليست معالجة… بل إعادة توزيع للأزمة.
المسألة ليست في شجاعة التصريح، رغم أنها تُحسب للوزير، بل في دلالته: هل نحن أمام سياسة واضحة تعترف بالأزمة وتديرها بصدق؟ أم أمام إدارة تستثمر الأزمات الخارجية لتسوية حسابات داخلية؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين إصلاح يُبنى عليه، وعبء يتراكم.
المال يمكنه أن يشتري وقتًا… لكن القرارات هي التي تحدد كيف يُستخدم هذا الوقت. فإن تحوّل إلى إصلاح حقيقي، شعر به الناس، استعاد الاقتصاد عافيته. وإن تحوّل إلى سلسلة زيادات متتالية، فقد الوقت معناه، وفقدت السياسات ثقة الناس.
تبقى الحقيقة الأهم: الأسعار التي لا تعود، تطرح سؤالًا أكبر… هل السياسات نفسها قابلة للمراجعة؟ أم أن المواطن وحده هو الذي يُطلب منه أن يتكيف، ويدفع، ويصبر؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى