مقالات وآراء

جاب الله أبوعامود يكتب: “قانون الإعدام” الإسرائيلي.. حين تصبح الجريمة مشروعة بالقانون

تحليل قانوني وشرعي

تمهيد: عندما يحتاج القاتل إلى قانون
في 30 مارس 2026، صوّت الكنيست الإسرائيلي بالأغلبية (62 مقابل 48) على قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين . القانون الذي تقدم به حزب “عوتسما يهوديت” المتطرف بزعامة إيتمار بن غفير، حظي بدعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصياً .
لكن السؤال الذي يطرحه نفسه : هل كانوا بحاجة إلى قانون؟
فالجيش الإسرائيلي، كما وثقت التقارير، كان يقتل الأسرى ويعذبهم منذ عقود دون أي قانون. قضية الطفل جاويد (18 شهراً) التي تعرض للحرق بأعقاب السجائر والطعن بالمسامير، وقضية اغتصاب الأسير في سديه تيمان، ومئات القضايا الموثقة من منظمات حقوق الإنسان، كلها كانت تحدث بدون قانون.
هذا التناقض يكشف عن حقيقة مرعبة: إسرائيل لا تحتاج إلى قانون لتقتل. القانون الذي أقرته هو تغطية قانونية لجريمة كانت ترتكب أصلاً، وتحويلها من “انتهاكات فردية” إلى سياسة دولة ممنهجة.
هذه الورقة تحلل قانون الإعدام من ثلاث زوايا: القانونية (كيف ينتهك القانون الدولي الإنساني؟)، السياسية (لماذا الآن؟)، والفقهية (كيف تنظر الشريعة الإسلامية والأعراف الدولية إلى مثل هذه القوانين؟).
أولاً: ما هو قانون الإعدام؟ تفاصيل التشريع الصهيوني
1.1 مضمون القانون
بحسب ما نشرته وكالة أنباء منظمة التعاون الإسلامي (UNA) ووكالة الأناضول، فإن القانون ينص على :
البند التفاصيل
العقوبة الإعدام شنقاً لكل من “تسبب عمداً في وفاة شخص في عمل يُصنف إرهابياً”
العفو لا يُسمح بالعفو في مثل هذه القضايا؛ الحكم نهائي وغير قابل للتخفيف أو التعديل
التنفيذ خلال فترة لا تتجاوز 90 يوماً من صدور الحكم
التمييز تطبق العقوبة كعقوبة رئيسية في الضفة الغربية، بينما تُمنح المحكمة العسكرية سلطة استثنائية لتحويل العقوبة إلى السجن المؤبد في “ظروف خاصة”
صلاحيات رئيس الوزراء منح رئيس الوزراء سلطة الالتماس لتأجيل تنفيذ الإعدام في “ظروف خاصة”، مع عدم تجاوز إجمالي التأجيل 180 يوماً
1.2 ماذا قال مؤيدو القانون؟
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير قال إن القانون “سيزيد الردع ويساهم في محاربة الإرهاب” .
1.3 ماذا قال معارضوه؟
· عوفر كاسيف (عضو الكنيست عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة): وصف القانون بأنه “تشريع للإبادة الجماعية” .
· سمير بن سعيد (تحالف هداش-تال): حذر من أن عقوبة الإعدام “لا رجعة فيها وتحمل مخاطر الأخطاء القضائية” .
· مركز عدالة (Adalah) الحقوقي الإسرائيلي: قال إن القانون “يرسخ القتل البارد المتعمد في ظروف لا يشكل فيها المحكوم عليه أي تهديد حقيقي”، واصفاً إياه بأنه يقوم على “تمييز عرقي وإثني” .
ثانياً: القانون الإسرائيلي في مواجهة القانون الدولي الإنساني
2.1 اتفاقية جنيف الثالثة (1949): المرجعية الأساسية
المادة 13 من اتفاقية جنيف الثالثة تنص بوضوح على أن :
“يجب أن يعامل أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأحوال. وكل عمل غير قانوني أو إغفال من قبل دولة الاحتجاز يتسبب في وفاة أو تعريض صحة أسير حرب للخطر محظور، وسيعتبر انتهاكاً خطيراً للاتفاقية.”
هذه المادة تُلزم دولة الاحتلال بعدم التسبب في وفاة الأسير. قانون الإعدام الإسرائيلي، الذي يسمح بإعدام الأسرى، هو انتهاك مباشر وصريح لهذه المادة.
2.2 المادة 100: متى يجوز الحكم بالإعدام على أسير حرب؟
المادة 100 من اتفاقية جنيف الثالثة تنص على شروط صارمة لإصدار حكم الإعدام بحق أسير حرب :
“لا يمكن النطق بعقوبة الإعدام على أسير حرب إلا إذا تم استرعاء انتباه المحكمة تحديداً إلى أن المتهم ليس من رعايا دولة الاحتجاز، وأنه غير مرتبط بها بأي واجب ولاء، وأنه يوجد في قبضتها نتيجة ظروف خارجة عن إرادته.”
هذه الشروط الثلاثة:
1. لا ولاء لدولة الاحتجاز: الأسير الفلسطيني ليس إسرائيلياً، ولا يدين بالولاء لإسرائيل.
2. وقع في الأسر بسبب ظروف خارجة عن إرادته: الأسير لم يختر أن يكون أسيراً.
3. يجب أن تسترعي المحكمة الانتباه إلى ذلك: القاضي ملزم قانوناً بذكر ذلك صراحة.
لكن قانون الإعدام الإسرائيلي يتجاهل هذه الشروط تماماً، ويجعل الإعدام العقوبة الأساسية، دون أي اعتبار لطبيعة العلاقة بين الأسير ودولة الاحتلال.
2.3 المادة 101: تأخير تنفيذ الإعدام
المادة 101 من الاتفاقية تنص على أنه :
“إذا صدر حكم بالإعدام على أسير حرب، فلا ينفذ الحكم قبل انقضاء ستة أشهر على الأقل من التاريخ الذي تتلقى فيه الدولة الحامية (Protecting Power) الإخطار التفصيلي.”
قانون الإعدام الإسرائيلي يحدد مهلة تنفيذ الإعدام بـ 90 يوماً فقط ، أي نصف المهلة التي حددتها اتفاقية جنيف. هذا انتهاك صريح آخر.
2.4 التمييز العنصري: تطبيق القانون في الضفة الغربية
قانون الإعدام الإسرائيلي ينص على أن العقوبة تطبق في الضفة الغربية كعقوبة رئيسية، بينما في إسرائيل نفسها، يتم منح المحاكم العسكرية سلطة تحويل الحكم إلى السجن المؤبد .
مركز عدالة (Adalah) قال في بيانه :
“تطبيق القانون الإسرائيلي المحلي على سكان الضفة الغربية الفلسطينيين يشكل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، حيث لا تملك الكنيست سلطة التشريع لسكان تحت الاحتلال. هذا القانون يقوم على تمييز إثني وعرقي، ويرقى إلى مستوى التمييز العنصري المحظور.”
هذا التمييز الجغرافي والقانوني بين المستوطنين الإسرائيليين في الضفة (الخاضعين للقانون المدني الإسرائيلي) والفلسطينيين (الخاضعين للقانون العسكري) هو جوهر نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) الذي وثّقته منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في تقاريرها السابقة.
ثالثاً: لماذا الآن؟ تحليل توقيت القانون
3.1 الحرب على إيران كغطاء
في الوقت الذي تنشغل فيه وسائل الإعلام العالمية بالحرب على إيران، تمرر إسرائيل قانوناً يغير طبيعة الصراع من “صراع عسكري” إلى “إبادة قانونية”. هذا هو التوقيت المثالي لتمرير تشريعات غير قانونية، عندما تكون الأنظار مشغولة بمكان آخر.
3.2 الرد على الانتفاضة الصامتة
في الأسابيع الأخيرة، شهدت الضفة الغربية تصاعداً في العمليات المقاومة. قانون الإعدام هو ردع جماعي، يهدف إلى تخويف أي فلسطيني يفكر في المقاومة بأن الثمن سيكون إعداماً وليس مجرد سجن.
3.3 إلهاء الجمهور الإسرائيلي عن فشل الحرب
رئيس الوزراء نتنياهو، الذي صوّت لصالح القانون ، يعاني من أزمة شعبية غير مسبوقة بسبب:
· فشل القبة الحديدية في اعتراض صواريخ “فتاح-2” الإيرانية.
· انهيار الردع الإسرائيلي بعد اختراق ديمونة وعراد.
· نزوح آلاف الإسرائيليين من الجنوب.
قانون الإعدام هو مشروع إلهاء: بدلاً من محاسبة القيادة على فشلها العسكري، تقدم “قانوناً قوياً” ضد الفلسطينيين لاستعادة صورة القوة.
رابعاً: القانون الإسرائيلي في مواجهة القوانين الوضعية الأخرى
4.1 النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
المادة 7 من نظام روما الأساسي تصنف “الإبادة الجماعية” و”الاضطهاد” و”الفصل العنصري” ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
قانون الإعدام الإسرائيلي، الذي يستهدف الفلسطينيين فقط ويطبق في الأراضي المحتلة، يدخل ضمن تعريف “الاضطهاد” و”الفصل العنصري”. وهذا يمنح المحكمة الجنائية الدولية (التي أصدرت بالفعل مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين سابقين) اختصاصاً إضافياً لمقاضاة واضعي هذا القانون.
4.2 العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) تنص على أن:
“لا يجوز النطق بعقوبة الإعدام إلا بموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة، ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة على جرائم لم يُنص عليها في القانون وقت ارتكابها.”
كما تنص المادة على أن:
“كل من حكم عليه بالإعدام له الحق في التماس العفو أو تخفيف العقوبة.”
قانون الإعدام الإسرائيلي يحرم الأسير من حق الالتماس، حيث ينص صراحة على أنه “لا يمكن العفو في مثل هذه القضايا” . هذا انتهاك صريح للعهد الدولي.
4.3 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن “لكل شخص الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه”.
المادة 5 تنص على أن “لا يعرض أي شخص للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”.
قانون الإعدام الإسرائيلي هو تطبيع لانتهاك الحق في الحياة، وتحويل القتل من “جريمة حرب” إلى “عقوبة قانونية”.
خامساً: المنظور الفقهي – عندما يكون القانون “غير قانوني”
5.1 مبدأ “القانون فوق القانون”
في الفقه القانوني، هناك مبدأ راسخ: لا يجوز لدولة أن تصدر قانوناً يخالف القانون الدولي العام. القانون الدولي العام هو الإطار الأعلى الذي تلتزم به جميع الدول، بما فيها إسرائيل.
إسرائيل وقعت على اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949. وهي طرف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (بالنسبة للجرائم المرتكبة في فلسطين). بموجب القانون الدولي، لا يمكن لأي قانون داخلي أن يلغي التزامات الدولة الدولية.
قانون الإعدام الإسرائيلي هو محاولة لاستبدال القانون الدولي بقانون داخلي عنصري. وهذا هو عكس ما يُسمى “سيادة القانون”. إنه قانون الفوضى، وليس قانون النظام.
5.2 نظرية “الالتزام الدولي” في الفقه الإسلامي
في الفقه الإسلامي، الأصل أن الدول الإسلامية تلتزم بالمعاهدات والمواثيق الدولية التي توقع عليها، ما لم تتعارض مع أحكام الشريعة. اتفاقيات جنيف لا تتعارض مع الشريعة في موادها المتعلقة بحماية المدنيين والأسرى. بل إن الشريعة تسبقها في التأكيد على حماية الأسير وإنسانيته.
عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية لها شروط صارمة لا تنطبق على قضية الأسرى الفلسطينيين:
· تقوم على القصاص وليس على الردع السياسي.
· لا تطبق على من وقع في الأسر نتيجة ظروف خارجة عن إرادته.
· تتطلب إقراراً من المتهم وليس مجرد اتهام.
ما تفعله إسرائيل هو استخدام لفظ “الإعدام” لتبرير القتل السياسي، وليس تطبيقاً لأي نظام قانوني عادل.
سادساً: ما بعد القانون – سيناريوهات متوقعة
6.1 السيناريو الأول: الطعن أمام المحكمة العليا الإسرائيلية (محتمل)
مركز عدالة (Adalah) أعلن أنه سيتقدم بطعن إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ضد القانون . هذه المحكمة، رغم تحيزها، سبق أن ألغت قوانين عنصرية في الماضي. لكن في ظل الحكومة الحالية، فرص نجاح الطعن ضعيفة.
6.2 السيناريو الثاني: تحرك دولي في المحكمة الجنائية الدولية (مطلوب)
القانون الجديد يمنح المحكمة الجنائية الدولية سبباً إضافياً للتحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية. المدعي العام للمحكمة يمكنه فتح تحقيق خاص في هذا القانون، باعتباره جزءاً من سياسة منهجية لارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
6.3 السيناريو الثالث: تنفيذ القانون على أرض الواقع (الأسوأ)
إذا صمد القانون أمام الطعون، فسنشهد حالات إعدام فعلية للأسرى الفلسطينيين. هذا سيفتح باباً لمقاومة غير مسبوقة، ويزيد من تأجيج المنطقة.
خلاصة: قانون “القتل المشروع”
ما فعله الكنيست الإسرائيلي ليس “تشريعاً”. إنه إعلان حرب على القانون الدولي نفسه، وإعلان حرب على الإنسانية، وإعلان حرب على كل من يعتقد أن هناك عدالة في هذا العالم.
نقاط القوة في تحليل المستخدم:
· المستخدم أشار إلى أن إسرائيل كانت تقتل الأسرى قبل القانون، وهذا صحيح.
· المستخدم أشار إلى أن القانون مخالف للقانون الدولي الإنساني، وهذا صحيح.
· المستخدم أشار إلى أن “لا يحق لدولة أن تصدر قانوناً يخالف القانون العام”، وهذا هو جوهر الأزمة.
ما أضافه هذا التحليل:
· تفاصيل القانون نفسه من مصادر موثقة.
· النصوص القانونية من اتفاقيات جنيف التي ينتهكها القانون.
· الردود الإسرائيلية والدولية على القانون.
· تحليل توقيت إقرار القانون في ظل الحرب على إيران.
الخلاصة النهائية:
“إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”
إسرائيل التي تشرعن قتل الأسرى هي دولة فقدت أي أخلاق متبقية. والقانون الذي أقرته هو وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء. والمجتمع الدولي الذي يصمت على هذا القانون هو شريك في الجريمة.
فوقوا يا عرب.. القانون الجديد ليس مجرد تشريع إسرائيلي داخلي. هو استفزاز لكل الشعوب العربية والإسلامية. هو تحدٍ صريح للقانون الدولي. هو إعلان أن إسرائيل فوق القانون.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى