مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب : الحياد ” سلباً ام ايجاباً ” خرافة العصر الحديث

 

لم يكن مفهوم الحياد وليد اللحظة، بل هو نتاج تطور تاريخي طويل ارتبط بطبيعة النظام الدولي في كل مرحلة. فمنذ القرن التاسع عشر، بدأ الحياد يُطرح كخيار قانوني وسياسي، خاصة مع ترسيخ قواعده في القانون الدولي، كما في اتفاقيات مؤتمرات لاهاي التي نظّمت حقوق وواجبات الدول المحايدة في النزاعات المسلحة. آنذاك، كان الحياد يعني الامتناع عن المشاركة في الحروب مع الحفاظ على العلاقات مع جميع الأطراف.

لكن هذا المفهوم بلغ ذروته السياسية خلال حقبة الحرب الباردة، حين انقسم العالم إلى معسكرين متصارعين. في هذا السياق، لم يكن الحياد مجرد امتناع، بل تحوّل إلى مشروع سياسي تقوده دول تسعى إلى الاستقلال عن الاستقطاب الدولي. وهنا برزت حركة عدم الانحياز، التي تأسست رسميًا عام 1961، كإطار يجمع دولًا رفضت الاصطفاف خلف الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي. وقد كان من أبرز رموزها جمال عبد الناصر، إلى جانب قادة مثل نهرو وتيتو، حيث سعوا إلى خلق مساحة “ثالثة” في النظام الدولي.

غير أن هذا المشروع كان مرتبطًا بسياق محدد: وجود قطبين متنافسين يتيحان هامش مناورة للدول الأصغر. ومع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، تلاشى هذا التوازن، ومعه تراجع المعنى التقليدي للحياد. لم يعد العالم ثنائيًا، بل أصبح أكثر تشابكًا، ما جعل الحياد يفقد وظيفته الأصلية كخيار استراتيجي واضح.

في عالم اليوم، لم يعد الحياد كما كان، بل تحوّل إلى مفهوم إشكالي، بل وربما غير قابل للتطبيق. ففي الحروب المعاصرة، يتجلى هذا التحول بوضوح. خذ مثال الحرب في أوكرانيا: لم يكن هناك مجال حقيقي للحياد. حتى الدول التي حاولت التوازن وجدت نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف عملية سواء عبر التصويت في الأمم المتحدة، أو من خلال العقوبات، أو عبر سياسات اقتصادية واضحة. فالهند، على سبيل المثال، لم تعلن انحيازًا صريحًا، لكنها عمّقت تعاونها الطاقي مع روسيا، وهو موقف لا يمكن اعتباره حياديًا بالمعنى التقليدي.

وفي الحرب في غزة 2023، أصبح الحياد شبه مستحيل حتى على المستوى الخطابي. فالدول التي حاولت استخدام لغة متوازنة تعرضت لضغوط شعبية وإعلامية، ما أجبرها على توضيح مواقفها بشكل أكثر صراحة. هنا، لم يعد الحياد خيارًا سياسيًا، بل أصبح عبئًا يُفسَّر على أنه تردد أو انعدام موقف.

اقتصاديًا، تلاشى الحياد تمامًا. فالعالم اليوم قائم على ترابط شديد في سلاسل التوريد، والتكنولوجيا، والطاقة. في ظل التنافس بين القوى الكبرى، لم تعد الدول قادرة على التعامل مع الجميع بنفس المسافة. القيود على التكنولوجيا، والعقوبات، والحروب التجارية، كلها أدوات تفرض الاصطفاف. حتى الشركات متعددة الجنسيات لم تعد “محايدة”، بل تُجبر على الالتزام بأنظمة سياسية واقتصادية محددة.

وفي الأزمات الدولية، يظهر غياب الحياد بشكل أوضح. خلال جائحة كورونا، تحوّلت اللقاحات إلى أدوات نفوذ، فيما عُرف بـ“دبلوماسية اللقاح”. الدول لم تتلقَّ المساعدات فقط، بل دخلت ضمن شبكات تأثير، ما يعني أن حتى القرارات الصحية حملت أبعادًا سياسية.

أما في التضامن الدولي، فإن الامتناع عن اتخاذ موقف لم يعد يُقرأ كحياد، بل كرسالة ضمنية. التصويت في الأمم المتحدة، أو الانضمام إلى مبادرات دولية، أو حتى الغياب عن القمم، كلها أفعال تُفسَّر سياسيًا. لم يعد هناك فراغ يمكن الوقوف فيه خارج المعادلة.

كل هذه التحولات تؤكد أن العلاقات الدولية اليوم قائمة على مبدأ المصالح المتبادلة، لا على الشعارات أو الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية. وهذا ما يجعل الحياد، في شكله القديم، غير قابل للحياة. بل أكثر من ذلك، أصبح في كثير من الأحيان مؤشرًا على ضعف القدرة على التأثير، أو غياب الإرادة السياسية.

إن العالم اليوم لا يعترف بالدول التي تراقب من بعيد، بل يكافئ تلك التي تمتلك وضوحًا في الرؤية والتموضع. لم يعد السؤال: هل يمكن أن نكون محايدين؟ بل: ما هو موقفنا، وكيف نستخدمه لخدمة مصالحنا؟

لقد انتهى زمن الحياد كما عرفناه، لا لأن الدول اختارت ذلك، بل لأن طبيعة النظام الدولي لم تعد تسمح به. وفي عالمٍ تُصاغ فيه التوازنات عبر الفعل لا الامتناع، يصبح اتخاذ الموقف ليس خياراً، بل ضرورة حتمية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى