
حين تأملتُ سورة البقرة، توقفت طويلًا عند هذا السؤال:
لماذا البقرة تحديدًا؟
لماذا جاء الأمر الإلهي لبني إسرائيل أن يذبحوا بقرة؟
لماذا لم يكن الأمر بذبح شاة… أو طير… أو أي حيوان آخر؟
هل هي مجرد قصة عابرة في سياق طويل من التشريعات والعبر؟
أم أنها رسالة رمزية عميقة تتجاوز ظاهر الحدث إلى باطن النفس البشرية؟
لقد كانت البقرة عند بنو إسرائيل أكثر من مجرد حيوان.
لقد كانت — في الوعي الجمعي الذي خرجوا به من مصر — رمزًا ممتدًا من حضارة عاشوا في ظلها زمنًا طويلًا؛ حضارةٍ قدّست البقر وجعلته رمزًا دينيًا، كما يظهر في أساطير مثل الإلهة حتحور عند المصريين القدماء.
ولم يكن ذلك بعيدًا عن حادثة العجل التي وقعت في عهد
موسى
وأخيه
هارون،
حين اتخذ بعضهم العجل إلهًا من دون الله بعد نجاتهم مباشرة.
كان التعلّق قد انتقل معهم…
خرجوا من مصر، لكن مصر لم تخرج من قلوبهم.
هنا يصبح الأمر بذبح البقرة أكثر من مجرد امتثال لتكليف؛
إنه دعوة لقطع آخر خيوط التعلّق بالماضي الباطل،
وإعلانٌ للتحرّر من رموزٍ تسللت إلى الوعي حتى أصبحت جزءًا من الهوية.
ذبح البقرة — في هذا السياق — هو ذبح:
التقديس الزائف
العادات المتوارثة بلا وعي
الأفكار التي نُورثها دون أن نختبر حقيقتها
التبعية الفكرية لحضارات مضت
إن لكلٍّ منا في عقله “بقرة”.
فكرةٌ يعرف في قرارة نفسه أنها خاطئة… لكنه ألفها.
قناعةٌ يثبت فشلها كل يوم… لكنه يتمسك بها.
عادةٌ تعوق تقدمه… لكنه يخشى فقدانها.
قد تكون:
خوفًا من التغيير
اعتقادًا محدودًا عن الذات
تبعية لرأيٍ اجتماعي
أو نمطًا فكريًا يبرّر الفشل ويمنع النمو
لن ينجح إنسانٌ وهو يساوم على بقرةٍ في داخله .
لن يتطور عقلٌ ما زال يقدّس ما ينبغي مراجعته.
ولن تنهض نفسٌ ما زالت تحتمي بأفكارٍ تعوق انطلاقها.
النجاح — في كثير من الأحيان — لا يبدأ بإضافة شيء جديد،
بل يبدأ بذبح شيء قديم.
اسأل نفسك بصدق:
ما هي بقرتك التي لم تذبحها بعد؟
لعلّ نهضتك الحقيقية تبدأ… من هناك .







