
لم أكن أرغب في الحديث في هذا الموضوع الآن، لاعتقادي أن الوقت ليس مناسباً، فالحرب الدائرة رحاها في المنطقة تقتضي التركيز على دعم الواقفين في وجه العدوان الصهيو-أمريكي الغاشم والغادر، وليس الدخول في مماحكات وجدال أراه من مصائب الأمة اذ ابتلاها الله بأقوام لا يفرّقون بين الأهم والمهم، ويمنحون قضاياهم الشخصية على ضيقها الأولوية على حساب قضايا الأمّة المركزية وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية.
وحتّى أقلّل من مزايدات المزايدين، أذكّر بإنني كنت الوحيد ربمّا من بين أعضاء الأمانة العامّة للمؤتمر القومي العربي، الذي رفض في يونيو 2024، دعوة الرئيس بشّار الأسد للقاء جمعه بقيادة المؤتمر في دمشق، التزاما مني بقضية الديمقراطية والإصلاح السياسي في العالم العربي، تلك التي نذرت لها حياتي تقريبا، واعتبرت قبول الدعوة تجاوزا لا يمكن أن أبرره لنفسي، حتى مع تقديم ضمانات بلقاء المعارضة السورية في دمشق بعد لقاء الرئيس حينها.
كما أذكّر أيضا، بأنني كنت من أوائل المطالبين للرئيس بشّار الأسد في بداية تولّيه الحكم، بضرورة الاعتذار عن جرائم والده، وقد فعلت ذلك من على منابر قناة الجزيرة، وقد بلغني غضب النظام السوري حينها، ومنعت من زيارة دمشق التي أحببتها كما لم أحب عاصمة عربية، منذ ذلك التاريخ إلى اليوم.
ويعرف بعض الأصدقاء في المعارضة السورية باختلاف تياراتها وأحزابها، مواقفي من النظام السوري، ومعارضتي الراديكالية له ولجميع الأنظمة الطغيانية في بلاد العرب، وهي الغالبة في التاريخ والجغرافيا للأسف.
لكن التزامي الديمقراطي هذا، يأتي عندي في مقام ثانٍ، قياسا بالتزامي تجاه قضية الأمّة الأولى في رأيي وهي قضية فلسطين، وهو التزام أتقاسمه مع آخرين من أبناء هذه الأمّة، وفي مقدّمة هؤلاء الإخوة في محور المقاومة بجميع ساحاتها وميادينها، وهو ما يجعلني أتفهّم الضرورات التي تمليها هذه المعركة الكبرى، من قبيل التدخّل الإيراني وتدخل حزب الله في سوريا، بعد تحوّل ثورتها منذ سنة 2012، من ثورة مدنية سلمية تطالب بالإصلاح السياسي، إلى حركة مسلّحة ثمّ حرب أهلية وفتنة داخلية كقطع الليل المظلم، اختلطت فيها الأمور وجمعت لها مجموعات متطرّفة من مختلف أنحاء العالم، وتحوّلت فيها الأهداف على نحو بدا فيه واضحا أن أطرافا اقليمية ودولية استغلت أشواق السوريين للحرية والديمقراطية، ليس لاسقاط نظام الاسد باعتباره نظاماً استبداديا، بل لاسقاط نظام الأسد باعتباره عضوا في محور المقاومة، بصرف النظر عن ذاك النقاش الذي يمكن ان يدور حول مدى مصداقية هذا النظام والتزامه تجاه القضية الفلسطينية.
إن تصوير تدخّل إيران وحزب الله اليوم بمفعول رجعي، وكأن غايته كانت قتل السوريين الثائرين ضد نظام استبدادي، وتحديدا قتل السوريين باعتبارهم سنّة يواجهون نظاما شيعيا طائفيا، هو في رأيي تصوير غير صحيح دوافعه غير بريئة أو موضوعية، فالسنّة موجودون في إيران ولبنان على السواء، وهم شركاء للنظام الإسلامي الإيراني وللحزب، كما أن النظام السوري وإن ارتبطت في نواته السياسية والعسكرية الصلبة بالأقلية العلوية، المنسوبة للطوائف الشيعية، فقد كان منذ قيامه نظاما علمانيا بعثيا قوميا عربيا، ولم يخلُ يوما في قيادته العليا من شخصيات سنّية بارزة، معروفة للقاصي والداني، ناهيك أن الأنظمة الاستبدادية الغالبة على المجال العربي، لم تكن تحتاج في نزوعها القمعي والاستبدادي لأي مرجعية طائفية، فالسنّة مقموعون في جل الدول العربية التي يحكمها حكّام سنّة.
إن انتماء نظام الأسد لمحور المقاومة لم يكن خافيا على حركات المقاومة، بما في ذلك حركة حماس وهي سنّية خالصة، كما يعرف الجميع مدى الحظوة التي كانت تتمتع بها الحركة وقيادتها لدى الرئيس بشار الأسد، بل كان يقال أن خالد مشعل كان يدخل على الرئيس السوري دون اذن، وأن الصداقة بينهما كانت اقوى من علاقة بشار بقيادات حزبه.
أمّا المسألة الثانية التي يجب أن تؤخذ بعين النظر، فهي انخراط دول الخليج التي يعرف الجميع أنه ليس لديها أي التزام ازاء قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، على خط الثورة السورية، وتمويلها جماعات مشبوهة تناسلت من جماعات إرهابية معروفة كتنظيمات داعش والقاعدة وغيرها، ثم ارتدادها لاحقا بعملها على اعادة ادماج بشّار في النظام الرسمي العربي، بما يؤكد ان الأمر لم تكن له صلة بالثورة السورية، ولا حتى بنصرة السنّة، بقدر ما له علاقة بضرب محور المقاومة، وفسح المجال امام مشاريع التطبيع الجارية، ولو قبل بشّار هذا المسار لبقي على عرشه إلى اليوم.
إن تدخّل إيران وحزب الله في سوريا، كان من منظور الحفاظ على محور المقاومة ضرورة بحسب من اتخذ قراره، وهي ضرورة لا تحجب حصول تجاوزات غالبا ما ارتبطت بالحروب الاهلية، باعتبارها حروبا قذرة بطبيعتها، والفكرة التي أدافع عنها، أن ما جمع إيران وحزب الله بنظام الأسد لم يكن أبدا طائفيا، ولم تكن غايته استهداف الثورة السورية باعتبارها حركة مدنية سلمية اصلاحية، انما باعتبارها قد انحرفت عن طبيعتها الأصلية إلى حرب أهلية تهدف إلى انهاء أو اضعاف عضو في جبهة المقاومة، وليس تغيير نظام استبدادي يستحق التغيير.
وأختم هذا الرأي، برواية قصّة رواها لي شخصيا السفير الإيراني محمد رؤوف الشيباني عندما كان سفيرا عندنا في تونس عامين قبل سقوط النظام السوري، حدثت معه أيام كان سفيرا لبلاده في سوريا مباشرة بعد اندلاع الثورة ثم تحوّلها إلى حرب أهلية. قال السفير الشيباني أن كميناً نصب لمجموعة عسكرية إيرانية وصلت لتوها إلى دمشق في طريقها وهي قادمة من المطار، فطلبنا من السلطات السورية التحقيق مع سائق الباص الذي أقلّ المجموعة، لأن شبهات حامت حول إمكانية تورّطه، وقد مرّ يوم على طلبنا ذاك، قبل أن يتّم اخبارنا بأنه لا صلة لذاك السائق بالموضوع، وقد ثبتت براءته بعد تحقيق مطوّل معه، وقد طلب منها الحضور للتثبت مباشرة، وعند ذهابنا – يقول السفير الشيباني- تفاجأنا بأن السائق كان جثّة معلّقة يلفظ انفاسه من جرّاء التعذيب، لدرجة أننا لم نستطع حتى مجرّد النظر إليه، ناهيك عن الحديث معه، وقلنا لهم لماذا فعلتم به هكذا، لقد طلبنا مجرد التحقيق معه، وختم السفير روايته بعبارة ظلت ترنّ في أذني، وقد قيلت في لحظة كان الأسد فيها قد استعاد المبادرة واعتراف النظام الرسمي العربي به مرة ثانية، “إن لا شيء يمكن أن يربطنا بنظام الأسد لو لا المقاومة”.
ولقد بيّنت الأحداث اللاحقة بعد سقوط النظام الأسدي فعلا، إلى أي حدّ تأذًت المقاومة فعلاً بخسارتها العمق السوري، وإلى أي حدّ يظهر العامل الطائفي محددا في نظرة البعض لقضايا المنطقة، فقد غُض الطرف مثلا عن الدور الروسي اذ حافظت روسيا على قاعدتها العسكرية في سوريا، بل أصبحت عند الرئيس السوري الجديد أرضا مباركة، رغم أن روسيا لم تقصّر بدورها في إسناد النظام السوري السابق، فلماذا اتسعت الرؤية لروسيا وكلّت ازاء إيران يا ترى؟ هذا إلى أنّه قد جرى التخلّي تماما عن أي دور سوري مساند للقضية الفلسطينية رغم أن الفلسطينيين المقاومين سنّة أيضا، ولا يجد الحانقون على إيران وحزب الله غضاضة في ايجاد جميع الأعذار لتبرير ذلك..
أن هذه أسئلة ليس الهدف من إثارتها إقامة الحجة على من ذكرت أسماؤهم من القادة فيها، إنّما لبيان أولئك الذين يميلون إلى كيل قضايا الأمّة بمكيالين، على نحو يحضر فيه التماس الأعذار واستيعاب السياسات وفهم الضرورات وترتيب الأولويات بحسب القرب الحزبي أو الايديولوجي أو الطائفي، إلى درجة يعلو فيها مقام (المطبّع ولو اضطرارا) على مقام المقاوم بدمه وماله، ويسمو فيه من لم يثبت إلّا خوضه حروبا أهلية وفتنا داخلية على من لم يقاتل إلّا أعداء الأمّة ومن وضع -طوعا أو كرها في سياقهم- وعلى نحو عابر..وقد قال الحكيم يعرف الناّس باتباع الحق، لا باتباع الهوى، وربي يجيبنا في الصواب كما يقول المثل الشعبي التونسي …
*كاتب ووزير تونسي سابق.







