شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : مصر والخليج.. واليوم التالي للحرب هل خذلت مصر ثقة حلفائها في الخليج؟

د. أيمن نور يكتب: مصر والخليج.. واليوم التالي للحرب

تبدأ الحكايات الكبرى دائمًا من لحظة تبدو عابرة، ثم تتكشّف مع الزمن على حقيقتها كمنعطفٍ لا يشبه ما قبله. هكذا تبدو هذه اللحظة في الإقليم؛ ليست مجرد حربٍ تندلع هنا أو ضربةٍ تقع هناك، بل اختبارٌ عميق لصلابة العلاقات، ولمقدار ما تبقى من رصيد الثقة بين الأشقاء. في أزمنة النار، لا يُقاس الموقف فقط بما يُقال في البيانات، بل بما يُشعر به الآخرون في قلوبهم. وهنا تحديدًا، تولد الأسئلة الثقيلة: هل تباعدت الخطوات بين مصر والخليج؟ أم أن الغبار الكثيف أخفى الطريق فقط؟

ما جرى في الإقليم لم يكن حدثًا عابرًا يمكن احتواؤه بلغةٍ تقليدية أو بإيقاعٍ دبلوماسي معتاد. نحن أمام لحظة تتداخل فيها الحرب مع الإدراك، والسياسة مع المشاعر، والوقائع مع الروايات. لحظةٌ كشفت أن إدارة الأزمات لم تعد كافية، وأن ما يحتاجه الإقليم الآن هو ما هو أعمق من ذلك: إعادة بناء الثقة نفسها، قبل أن تتآكل بصمت، أو تُختطف بضجيج الآخرين.

ليست أخطر الحروب تلك التي تُشعل السماء بالصواريخ فقط، بل تلك التي تترك بعد دخانها غشاوةً على العيون، فتختلط في لحظات الألم حقائق الموقف بأوهام الانفعال، وتصبح المسافة بين الأشقاء أبعد من الجغرافيا وأقرب إلى سوء الظن. هذا بعض ما أصاب المجال العربي في الأسابيع الأخيرة؛ حربٌ انفجرت في الإقليم، فاهتزّت لها العواصم، وارتبكت معها لغة السياسة، ثم امتدّ ارتجاجها إلى المزاج الشعبي، حيث دخلت العلاقات المصرية الخليجية طورًا من الحساسية لا يجوز إنكاره، ولا يجوز أيضًا تضخيمه إلى حد القطيعة.

المشهد الإقليمي اليوم شديد التعقيد: حرب أمريكية-إسرائيلية على #إيران تمددت آثارها إلى الخليج، وردود إيرانية أصابت دولًا ومنشآت وبنيةً مدنية وطاقةً وممراتٍ بحرية، فيما أكدت دول خليجية، في أكثر من صيغة، أنها لم تُرد أن تكون طرفًا في هذه الحرب، وأنها سبق أن أبلغت طهران وواشنطن معًا رفضها استخدام أراضيها منصاتٍ للهجوم، قبل أن تجد نفسها مع ذلك تحت النار.

الغضب الخليجي هنا مفهوم في جوهره، لا لأن هذه الدول تبحث عن معركة، بل لأنها دفعت كلفة حرب قالت منذ اللحظة الأولى إنها لا تريدها. دول الخليج لم تعتبر القواعد الأجنبية الموجودة على أراضي بعضها مبررًا مشروعًا لاستباحة سيادتها، بل رأت في استهداف أراضيها انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو موقف لا يمكن لأي قراءة سياسية متزنة أن تقلل من وجاهته أو مشروعيته.

مصر الرسمية، في المقابل، لم تقف موقف المتفرج البارد كما يحلو للبعض أن يصور. البيانات المصرية شددت على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأدانت الهجمات، وتحركت دبلوماسيًا في أكثر من اتجاه، سعيًا لاحتواء التصعيد وفتح مسارات للتهدئة. هذا موقفٌ قائم، لكنه لم يكن كافيًا لإغلاق فجوة الإدراك التي اتسعت في لحظة حساسة.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل خذلت مصر الخليج رسميًا؟ بل: لماذا لم يصل ما فعلته مصر رسميًا إلى مستوى ما انتظرته قطاعات واسعة من الرأي العام والنخب الخليجية نفسيًا وسياسيًا؟ هنا يبدأ الفارق بين إدارة الأزمة وترميم الثقة. فالأولى قد تُطفئ الحريق، أما الثانية فتعيد بناء البيت الذي أصابه الدخان.

سقف التوقعات الخليجية من مصر كان أعلى من العادة لأسباب مفهومة. سنواتٌ طويلة من الدعم السياسي والاقتصادي، وشعورٌ راسخ بأن القاهرة ليست مجرد دولة عربية، بل عمق استراتيجي وسند تاريخي. لذلك لم يكن مطلوبًا من مصر أن تُدين فقط، بل أن تُشعر الأشقاء بأن ما جرى عليهم مسّها بنفس القدر، وأن تضامنها ليس إجراءً دبلوماسيًا بل انتماءً وجوديًا.

بطء الإيقاع المصري ساهم في توسيع الفجوة. السياسة ليست مضمونًا صحيحًا فقط، بل توقيتٌ صحيح أيضًا. لحظات الانفجار الأولى لا تحتمل التأخير، لأنها تصنع الانطباع الذي يعيش أطول من الحقائق. حين يتأخر التعبير، تتقدم المنصات، وتتحول الانفعالات إلى رواية بديلة يصعب تفكيكها لاحقًا.

حسابات القاهرة لم تكن بلا منطق؛ فقد رأت أن الحفاظ على مساحة للحركة والوساطة يقتضي خطابًا متزنًا، خصوصًا في ظل تحسن نسبي في العلاقات مع #إيران في السنوات الأخيرة. غير أن الوساطة، في المجال العربي تحديدًا، لا تُبنى على الحياد البارد، بل على وضوح الانتماء أولًا، ثم إدارة التوازن ثانيًا. وهنا وقع الالتباس الذي غذّى الشعور الخليجي بعدم الرضا.

التباين داخل الخليج نفسه يزيد المشهد تعقيدًا؛ فـ#قطر و#سلطنة_عمان تميلان تقليديًا إلى الدبلوماسية والوساطة، بينما تتبنى أطراف أخرى مواقف أكثر حزمًا تجاه التهديدات الإيرانية. لكن رغم هذا التباين، ظل الإجماع الخليجي واضحًا في رفض استهداف أراضيه، وهو ما كان ينتظر ترجمة مصرية أكثر وضوحًا في الخطاب والمبادرة.

عيبٌ فني آخر لا يمكن تجاهله: إدارة الأزمة في القاهرة كشفت نقصًا في الجاهزية السيناريوية. الاحتمالات كانت معروفة، لكن الاستجابة لم تأتِ ضمن حزمة متكاملة تجمع بين الرسالة السياسية الواضحة، والتحرك الدبلوماسي المبكر، والإدارة الإعلامية الواعية. هذا النقص لا يُدان بقدر ما يُشخّص، لأنه مفتاح الانتقال من إدارة الأزمة إلى ترميم الثقة.

الخطر الأكبر الآن ليس في سوء التقدير العابر، بل في اليوم التالي للحرب. العلاقات المصرية الخليجية ليست رفاهية سياسية، بل ركيزة من ركائز الاستقرار العربي. أي خلل فيها قد يمتد إلى الاقتصاد، والاستثمار، وحركة العمالة، والتوازن الإقليمي. وهنا يصبح ترميم الثقة ليس خيارًا… بل ضرورة استراتيجية عاجلة.

المستفيد من تعميق هذا الشرخ طرفٌ ثالث يسعى لإعادة تشكيل الإقليم على أسس جديدة، تقوم على تفكيك العلاقات العربية وإعادة تركيبها في صورة تحالفات منفصلة، بحيث تُقدَّم قوة إقليمية واحدة باعتبارها الضامن الوحيد للأمن. هذا السيناريو لا يمر إلا عبر إضعاف العلاقة المصرية الخليجية، لأنه يعلم أن بقاءها متماسكة يعني بقاء التوازن العربي.

التجربة الأوروبية بعد الحربين العالميتين تقدم درسًا بالغ الأهمية. لم يكن التحول مجرد وقفٍ للحرب، بل كان إعادة تعريفٍ كاملة لفكرة العداء نفسها. تحولت العلاقة بين #فرنسا و#ألمانيا من صراعٍ دموي استمر قرونًا إلى شراكةٍ تقود القارة، عبر مسار بدأ بالفحم والصلب وانتهى بوحدةٍ اقتصادية وسياسية غير مسبوقة.

لم تكن هذه التجربة الوحيدة؛ فقد تحولت العلاقة بين #اليابان و#الولايات_المتحدة من حربٍ مدمرة إلى تحالف استراتيجي، كما استطاعت دول شرق أوروبا أن تتجاوز إرث الحرب الباردة لتندمج في منظومات أوسع. المشترك في كل هذه التجارب لم يكن اختفاء الخلافات، بل إدارة هذه الخلافات داخل إطارٍ من المصالح المشتركة، بحيث يصبح التعاون ضرورة، لا خيارًا.

منطقتنا لا تحتاج إلى استنساخ هذه التجارب، لكنها تحتاج إلى استيعاب منطقها: أن الخصومة إذا استمرت تحوّلت إلى عبءٍ وجودي، وأن الشراكة إذا بُنيت على المصالح صارت ضمانةً للاستقرار. وهذا ما يجعل من ترميم الثقة المصرية الخليجية ضرورة تتجاوز اللحظة إلى المستقبل.

مصر مطالبة الآن بخطوة نوعية: الانتقال من إدارة الأزمة إلى ترميم الثقة. ليس عبر البيانات فقط، بل عبر مبادرات واضحة تُعيد تعريف العلاقة مع الخليج بوصفها شراكة استراتيجية لا تحتمل اللبس. خطاب سياسي أكثر وضوحًا، تحرك دبلوماسي أكثر سرعة، انفتاح إعلامي على الرأي العام الخليجي، واستعادة للدفء الإنساني في العلاقات الشعبية.

الخليج بدوره مطالب بقراءة أكثر هدوءًا للموقف المصري، والتمييز بين بطء الأداء وبين غياب الإرادة. كما أن تعزيز البعد الشعبي في العلاقات مع مصر لم يعد ترفًا، بل ضرورة لحماية هذه العلاقة من تقلبات اللحظة وانفعالاتها.

الشارع، في مصر والخليج، يحتاج إلى من يذكره بأن العلاقات العميقة لا تُختزل في منشور، ولا تُقاس برد فعل عابر. مصر لم تغادر موقعها العربي، والخليج لم يتخلّ عن عمقه المصري، لكن الضجيج كاد أن يُخفي هذه الحقيقة البسيطة.

هنا تبرز مسؤولية إضافية على عاتق المعارضة المصرية، في الداخل والخارج، عبر الإعلام والكيانات السياسية. المطلوب ليس فقط نقد الأداء الرسمي، بل بناء خطابٍ للمستقبل، لا الاكتفاء بمحاكمة الحاضر. خطابٌ يضع تصورًا واضحًا لليوم التالي للحرب، ويعيد تعريف العلاقات العربية العربية، وعلى رأسها العلاقة المصرية الخليجية، باعتبارها ركيزة للاستقرار لا ساحة للتجاذب.

فكثير من المحن تفتح أبوابها لإعادة التموضع، واستعادة وصل ما انقطع، وهو ما يفرض على المعارضة أن تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، عبر:
أولًا: صياغة رؤية مكتوبة ومعلنة للعلاقات المصرية الخليجية، تتجاوز النقد إلى تقديم بدائل واقعية.
ثانيًا: إطلاق منصات حوار عربي-عربي موازية تُعيد بناء الجسور الشعبية بعيدًا عن التوتر الرسمي.
ثالثًا: تبني خطاب إعلامي مسؤول يوازن بين المعارضة الوطنية وحماية المصالح العليا للدولة.

الدبلوماسية الشعبية، بما تملكه من أدوات الإعلام والتواصل والتأثير الثقافي، قادرة على أن تكون أكثر نفاذًا من الدبلوماسية الرسمية في بعض اللحظات. وهي مطالبة بأن تلعب دورًا في ترميم ما أفسدته الانفعالات، وبناء ما عجزت عنه البيانات، عبر خطابٍ مسؤول يعيد الاعتبار لفكرة الشراكة العربية.

الرؤية الوطنية المصرية الحقيقية لا تقوم على الدفاع عن موقفٍ بعينه، بل على حماية المصلحة العليا. ومصلحة مصر واضحة: خليج آمن، علاقة متماسكة، ودور مصري مبادر لا متردد. هذه المصلحة تقتضي ترميم الثقة، لا الاكتفاء بإدارة الخلاف.

اللحظة تفرض على القاهرة أن تتقدم خطوة إلى الأمام، وأن تدرك أن إدارة الأزمة كانت مرحلة، وأن ترميم الثقة هو المرحلة الأهم. كما تفرض على الخليج أن يرى في مصر شريكًا لا طرفًا، وأن يدرك أن تماسك هذه العلاقة هو أحد شروط الاستقرار في الإقليم كله.

العطب القائم ليس قدرًا، بل إنذار. إن أُحسن التعامل معه، صار فرصة لإعادة بناء العلاقة على أسس أقوى. وإن أُهمل، تحول إلى فجوة يستثمرها الآخرون.

مصر والخليج لا يحتاجان اليوم إلى مجاملة باردة، بل إلى شجاعة دافئة تعترف بالخلل وتسعى لإصلاحه. لأن ما يجمعهما أكبر من أن تفرقه لحظة، وما ينتظرهما أخطر من أن يواجهاه منفردين.

وفي ختام هذه الرؤية، لا يسعني إلا أن أتوجه برسالة إلى السفير #نبيل_فهمي، الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، مهنئًا إياه بهذا الموقع الرفيع، ومعزيًا في آنٍ واحد؛ إذ يتولى مسؤولية ثقيلة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. إن قدر الرجل المناسب أن يأتي في الوقت الصعب، وربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي.

لعل أول ما يجب أن يوضع على جدول أعماله هو إعادة بناء الثقة داخل البيت العربي نفسه، وفي مقدمته العلاقة بين مصر والخليج. فجامعة الدول العربية لن تستعيد دورها بقرارات شكلية، بل بإعادة وصل ما انقطع بين أعضائها، وترميم ما تصدّع من جسور الثقة بينهم.

تلك هي المعركة الحقيقية القادمة: ليست معركة حدود، بل معركة ثقة. ومن ينتصر فيها، يملك المستقبل.

خمسه مقترحات اصلاحيه للعلاقات المصريه الخليجيه
أولًا: إطلاق مبادرة مصرية خليجية مشتركة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي على أساس الشراكة لا رد الفعل.
ثانيًا: إنشاء آلية تنسيق سياسي وإعلامي دائم لتفادي فجوات الإدراك بين الشعوب قبل الحكومات.
ثالثًا: دعم مسارات الدبلوماسية الشعبية وتوسيع قنوات التواصل الثقافي والإعلامي بين مصر والخليج.
رابعًا: صياغة رؤية عربية موحدة لإدارة الأزمات المستقبلية، تستند إلى الاستباق لا الانتظار.
خامسًا: إعادة الاعتبار لدور جامعة الدول العربية كمنصة لبناء الثقة لا مجرد إطار شكلي للتشاور.

رسالة إلى الزملاء في الإعلام المصري والعربي:
لا تزرعوا كراهية حتى ولو كان دون قصد، ولا تشمتوا في ضحيةٍ يدفع ثمنًا بلا ذنب، ولا تتشفّوا في أزمات بلدٍ هو في النهاية بعضٌ منا ونحن بعضٌ منه. ضعوا العلاقات بين الشعوب كعمامة ابن حنبل على رؤوسكم، وضعوا كتاب الحكمة والأدب على يمينكم، وضعوا على يساركم دروس التاريخ في مثل هذه الأزمات، وواجبات من يعتلي منصة أو منبرًا يصل إلى كل البيوت، فيصنع قناعاتٍ أو يترك مرارات، إن لم يتحلَّ بالرؤية والحكمة واحترام الآخر والذات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى