ملفات وتقارير

د.أيمن نور يكتب: الانسحاب الأمريكي المحتمل من حلف الناتو..الزلزال الأطلسي وتداعياته

الخبر المنشور اليوم لم يعد مجرد تسريب صحفي عن نزوة عابرة في خطاب ترامب، بل صار حلقة ضمن مسار سياسي متصاعد: مقابلة منشورة اليوم أكّد فيها الرئيس الأمريكي أنه “يفكر بجدية شديدة” في سحب الولايات المتحدة من الناتو، بعد أيام من امتناع وزير الدفاع الأمريكي عن إعادة تأكيد الالتزام بالمادة الخامسة، وفي لحظة تشهد انقسامًا حادًا مع حلفاء أوروبيين رفضوا تسهيل أو دعم الحرب الأمريكية على إيران. كما أشارت تقارير متداولة اليوم إلى ترقّب خطاب رئاسي أمريكي قريب حول الحرب، مع ربط واضح في التغطيات بين هذا الخطاب وتصعيد الضغط على الحلف الأطلسي. هذا لا يعني أن قرار الانسحاب قد حُسم قانونيًا، لكنه يعني أن “التلويح” نفسه صار حدثًا استراتيجيًا مكتمل الأثر، حتى قبل اكتمال أي إجراء رسمي.
أولًا: ما الذي نعرفه حتى الآن؟
المعطيات المؤكدة ثلاثة: أولًا، ترامب قال اليوم في مقابلة مع ديلي تلغراف إنه يدرس بقوة الانسحاب من الحلف. ثانيًا، هذا التصعيد جاء بعد خلافات أوروبية-أمريكية حول الحرب على إيران، شملت رفض بعض الدول الأوروبية استخدام أجوائها أو قواعدها في عمليات مرتبطة بالحرب. ثالثًا، الإدارة الأمريكية لم تعد تتعامل مع التزامات الناتو بوصفها مسلّمات فوق النقاش، بل بوصفها ورقة قابلة لإعادة التفاوض والضغط. أمّا غير المؤكد، فهو ما إذا كان خطاب الساعات القادمة سيتضمن مجرد تهديد سياسي، أم إعلانًا إجرائيًا أوليًا، أم خطوة رمزية لبدء مسار انسحاب أطول.
ثانيًا: لماذا عاد هذا الملف الآن؟
السبب المباشر هو غضب واشنطن من امتناع حلفاء أوروبيين عن الانخراط في الحرب على إيران أو تسهيلها بالقدر الذي أرادته الإدارة الأمريكية. لكن السبب الأعمق أسبق من حرب الخليج الحالية: ترامب يحمل شكوكًا مزمنة تجاه الناتو منذ سنوات، ويرى أن التحالفات يجب أن تُقاس بمنطق “العائد المباشر” لا بمنطق الالتزام التاريخي أو البناء المؤسسي. الجديد الآن أن هذه الشكوك القديمة اصطدمت بحرب فعلية، وبخلاف عملي مع أوروبا، وبمزاج أمريكي داخلي أكثر تقبّلًا لفكرة تقليص الأعباء الخارجية. لذلك فالأزمة ليست بنت يومها، بل انفجار متأخر لتراكمات استراتيجية وسياسية سابقة.
1) الخبر المنشور اليوم وما الذي قد يعلنه ترامب خلال ساعات؟
الخبر في صورته الأولية
التصريح المنشور اليوم يفيد بأن ترامب يدرس “بجدية شديدة” سحب الولايات المتحدة من الناتو، وربط ذلك صراحةً بعدم دعم الحلفاء الأوروبيين للحرب على إيران. وفي الوقت نفسه، نقلت رويترز أن ترامب كان يستعد لخطاب بشأن الحرب، وأن وزير الخارجية ماركو روبيو ألمح إلى أن الإدارة “ترى خط النهاية” في الحرب، بينما تحدّثت تغطيات أخرى عن مراجعة أوسع للعلاقة مع الحلفاء بعد انتهاء المرحلة الحالية من الصراع. معنى ذلك أن الناتو بات جزءًا من ملف أوسع: إعادة تعريف التزامات أمريكا في الشرق الأوسط وأوروبا معًا.
ما الذي قد يحمله الخطاب؟
الاحتمالات الأقرب في الخطاب المقبل خمسة: إعلان سياسي غاضب بلا أثر قانوني مباشر؛ أو تكليف مؤسساتي بمراجعة عضوية الولايات المتحدة في الناتو؛ أو ربط البقاء في الحلف بشروط جديدة تخص التمويل والدعم العسكري والسياسي؛ أو تخفيض الالتزام العملي بالمادة الخامسة دون إعلان انسحاب؛ أو، في أقصى الحالات، إعلان نية بدء مسار الانسحاب وفق المادة 13 من المعاهدة. الاحتمال الأخير هو الأخطر إعلاميًا، لكنه ليس الأسهل قانونيًا؛ أما الأخطر استراتيجيًا فقد يكون الاحتمال الرابع: بقاء الاسم وانسحاب المضمون. هذا استنتاج تحليلي مبني على تداخل المعطيات السياسية والقانونية، لا على نص معلن حتى الآن.
2) الإجراءات القانونية والعقبات أمام قرار الانسحاب
الإطار الدولي للانسحاب
معاهدة شمال الأطلسي نفسها تتيح الانسحاب بموجب المادة 13، لكنها تشترط مرور سنة كاملة من تاريخ توجيه إشعار الانسحاب. وهذا يعني أن أي إعلان أمريكي اليوم، حتى لو اتخذ الشكل الرسمي، لا يساوي خروجًا فوريًا من الحلف، بل يفتح نافذة انتقالية مدتها عام كامل. تلك السنة ليست زمنًا إداريًا فحسب، بل ساحة صراع سياسي وقانوني ودبلوماسي قد تعيد تشكيل القرار أو تعرقله أو تؤجل آثاره.
الإطار الأمريكي الداخلي
العقبة الأهم داخل الولايات المتحدة أن الكونغرس سبق أن أقرّ في قانون تفويض الدفاع لعام 2024 نصًا يمنع الرئيس من “تعليق أو إنهاء أو نقض أو الانسحاب” من معاهدة الناتو دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو قانون من الكونغرس. كما قيّد استخدام الأموال الفيدرالية لدعم مثل هذا الانسحاب إذا لم تتحقق تلك الشروط. وبعبارة أوضح: الرئيس قد يهدد سياسيًا، لكنه لا يملك طريقًا قانونيًا خاليًا من العوائق.
هل يكفي القانون لردع الرئيس؟
ليس تمامًا. فالمشكلة الدستورية في الولايات المتحدة أن سلطة إبرام المعاهدات وسلطة الخروج منها لم تُحسم نهائيًا في كل صورها عبر سوابق قضائية قاطعة. بعض الفقهاء يرون أن الكونغرس وضع حاجزًا سياسيًا وقانونيًا بالغ الأهمية، لكنهم يقرّون أيضًا بأن أي رئيس قد يحاول الالتفاف عمليًا عبر تقليص التمويل، أو خفض القوات، أو تعطيل المشاركة، أو إعادة تفسير الالتزامات التنفيذية بدل خوض معركة انسحاب رسمي مكتمل. وهنا يكمن جوهر المأزق: المنع القانوني لا يمنع بالضرورة “الإفراغ السياسي” للحلف.
العقبات السياسية الداخلية
حتى لو أراد ترامب الذهاب بعيدًا، فهناك ثلاث عقبات سياسية إضافية: أولًا، معارضة محتملة داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الأمريكية التي تدرك أن التحالفات جزء من الردع الأمريكي العالمي.
ثانيًا، مقاومة متوقعة من جزء معتبر في الكونغرس من الحزبين، خصوصًا في ملفات الردع النووي وروسيا. ثالثًا، الكلفة الانتخابية المحتملة إذا ظهر القرار بوصفه هدية مجانية لموسكو أو سببًا في اضطراب عالمي واسع. تلك العقبات لا تمنع التصعيد، لكنها تجعل المسار أكثر تعقيدًا من مجرد قرار فردي. هذا استنتاج تدعمه بنية النظام الأمريكي والنقاشات القانونية والسياسية المنشورة، وإن لم يصدر بعد اختبار قضائي نهائي لهذه اللحظة بعينها.
3) أوجه التضرر الأوروبي واحدًا واحدًا
الضرر الأول: اهتزاز الردع قبل وقوع الانسحاب
أوروبا تتضرر منذ الآن، لأن قوة الردع لا تقوم فقط على عدد الجنود والطائرات، بل على يقين الخصم بأن الولايات المتحدة ستتدخل إذا تعرض أي عضو لهجوم. مجرد انتقال هذا اليقين من خانة “المسلّم به” إلى خانة “المحتمل التفاوض عليه” يُضعف الردع الأطلسي. وهذا يفتح الباب أمام خصوم الحلف لاختبار حدوده في البلطيق، والفضاء السيبراني، والعمليات الرمادية، والضغط على الدول الحدودية الأصغر.
الضرر الثاني: فقدان المظلة الأمريكية في القدرات الحرجة
العبء الأمريكي في الناتو ليس مجرد مساهمة مالية ضخمة؛ الولايات المتحدة تمثل نحو 60% من إنفاق الحلف الدفاعي، وتوفر أيضًا قدرات يصعب تعويضها بسرعة: القيادة والسيطرة، النقل الاستراتيجي، الاستخبارات والاستطلاع، الدعم اللوجستي العابر للمسارح، أجزاء مركزية من الدفاع الجوي والصاروخي، والردع النووي الموسّع. لذلك فإن المشكلة ليست فقط “كم ستدفع أوروبا؟”، بل “كيف ستعوّض العصب الذي يربط القوة الأوروبية ببعضها؟”.
الضرر الثالث: الكلفة المالية والصناعية
تقديرات مراكز بحث مرموقة تشير إلى أن تعويض القدرات الأمريكية سيتطلب إنفاقًا أوروبيًا كبيرًا ومستدامًا على مدى سنوات، إلى جانب توسيع صناعات الذخائر، وأنظمة الدفاع الجوي، والقيادة والاتصالات، والاحتياطات اللوجستية. دراسة IISS تناولت صراحة كلفة الدفاع عن أوروبا دون الولايات المتحدة، بينما قدّرت تحليلات Bruegel/Kiel الاحتياجات البشرية والمادية اللازمة إذا أرادت أوروبا حمل العبء بصورة أكبر. المعنى السياسي هنا أن أوروبا ستدفع أكثر، وستستدين أكثر، وستحتاج وقتًا أطول مما تسمح به الأزمات.
الضرر الرابع: انكشاف سياسي داخل أوروبا نفسها
ليست كل أوروبا بولندا ولا دول البلطيق ولا فرنسا. بعض الدول مستعدة لزيادات كبيرة في الإنفاق، وبعضها مكبّل بالديون، وبعضها منقسم داخليًا، وبعضها لا يملك توافقًا شعبيًا على عسكرة واسعة. هذا يعني أن أي تراجع أمريكي قد يوسّع الفجوة بين “أوروبا الخائفة من روسيا” و”أوروبا المرهقة اقتصاديًا”، وبين شرقٍ يريد صرامة فورية وغربٍ يفضّل التدرج والمرونة. هنا يتحول الخطر من أزمة أمن خارجي إلى اختبار تماسك أوروبي داخلي.
الضرر الخامس: الطاقة والاقتصاد
أوروبا تواجه أصلًا ضغوطًا اقتصادية نتيجة الحرب على إيران وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز. وكالة الطاقة الدولية حذرت اليوم من أن اضطرابات النفط والوقود ستضرب أوروبا في أبريل ومايو، وأن الخسائر الحالية تتجاوز في شدتها مركّب أزمتي 1973 و1979 وأزمة الغاز الروسي 2022. إذا اجتمع ذلك مع خوف أمني أطلسي، فسنكون أمام قارتين في واحدة: قارة تحتاج إلى التسلح سريعًا، لكنها تدفع في الوقت نفسه فاتورة طاقة وتضخم ونمو ضعيف. هذا هو التعريف الدقيق لـ”الإنهاك المركّب”.
4) السيناريوهات المحتملة واحدًا واحدًا
السيناريو الأول: تهديد تفاوضي بلا انسحاب رسمي
في هذا السيناريو يستخدم ترامب الملف لابتزاز سياسي واستراتيجي: رفع الإنفاق الأوروبي، شراء مزيد من السلاح الأمريكي، وربما انتزاع مواقف أو تسهيلات في ملفات الشرق الأوسط. هذا السيناريو هو الأقل كلفة قانونية على البيت الأبيض، والأكثر اتساقًا مع أسلوب ترامب التفاوضي. لكنه، رغم ذلك، يلحق ضررًا كبيرًا بالحلف، لأن الثقة إذا تصدّعت لا تعود كاملة بمجرد التراجع اللفظي.
السيناريو الثاني: انسحاب سياسي عملي دون انسحاب قانوني
هنا لا يعلن ترامب الخروج رسميًا، لكنه يقلّص القوات الأمريكية في أوروبا، ويخفض المشاركة في التخطيط والقيادة، ويجعل التزامات الدفاع الجماعي مرهونة بالظروف. هذا السيناريو شديد الخطورة، لأنه يخلق “منطقة رمادية”: الحلف موجود على الورق، لكنه يفقد وظيفته الرادعة تدريجيًا. أوروبيًا، هذا قد يكون أسوأ من الانسحاب الصريح.
السيناريو الثالث: إعلان نية الانسحاب وبدء السنة القانونية
هذا هو السيناريو الدرامي: إخطار رسمي يطلق العدّ التنازلي المنصوص عليه في المادة 13. هنا تبدأ سنة كاملة من صراع داخلي أمريكي، وسباق أوروبي لتعويض النقص، وقراءة روسية وصينية لاختبار حدود اللحظة.
السيناريو الرابع: صدام دستوري داخل الولايات المتحدة
قد يذهب ترامب إلى خطوة تنفيذية أو إعلان أحادي، فيواجه ردًا من الكونغرس أو طعونًا قانونية أو تعطيلًا تمويليًا. النتيجة هنا ليست خروجًا سريعًا، بل أزمة ممتدة.
السيناريو الخامس: تراجع تكتيكي بعد انتزاع مكاسب
قد يهدد ترامب ثم يتراجع جزئيًا بعد تحقيق بعض المكاسب الرمزية أو المالية أو السياسية. هذا السيناريو لا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
11) التقدير النهائي
الخلاصة الاستراتيجية
الأرجح، وفق المعطيات المتاحة حتى هذه اللحظة، أن الولايات المتحدة أقرب إلى استخدام تهديد الانسحاب كأداة لإعادة هندسة العلاقة مع أوروبا، لا إلى خروج قانوني فوري ومكتمل. لكن ذلك لا يقلل من خطورته؛ لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الناتو ليس ورقة الانسحاب بحد ذاتها، بل تحوّله من تحالف قائم على اليقين المؤسسي إلى تحالف قائم على المزاج السياسي والصفقة الظرفية.
التقدير المرجّح خلال الساعات والأيام القادمة
أرجّح واحدًا من مسارين: إما خطابًا تصعيديًا يربط بقاء أمريكا في الحلف بشروط جديدة وبتحمّل أوروبي أكبر للأعباء، أو إعلانًا سياسيًا أخطر من حيث النبرة، لكنه دون بدء آلية الانسحاب الرسمية. غير أن ذلك لا يبدد الحقيقة الأساسية: العالم دخل فعلًا مرحلة ما بعد الطمأنينة الأطلسية

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى