
كثيرة هي تداعيات الحرب أو بالأحرى العدوان الصهيو-أمريكي على إيران على الاقتصاد العالمي، موجات من ارتفاع الأسعار باتت تشل كل الأسواق. حول العالم، صار الغلاء هو السمة الرئيسة لتداعيات هذا العدوان الاستعماري على إيران. في البداية -وخلال الأيام الأولى للحرب- كانت الأمور تسير بلا أكتراث، إلى أن وقع المحظور وقامت إيران بإغلاق مضيق هرمز، فقفزت أسعار النفط بمعدل أكبر عن الأيام الأولى للحرب، ومعها أصبحت كافة أسعار مواد الطاقة من بنزين وسولار وغاز، وبالتالي كهرباء، ثم في مرحلة تالية أغلب أسعار السلع والخدمات قد انطلقت -بلا أدنى رجعة- من عقالها ودون أي تردد.
مصر إطلاق العنان لأسعار الطاقة
لم تكن مصر استثناء عما جرى ولا زالت تداعياته قائمة، بل انها كانت سباقة في صدور قراراتها الاقتصادية قبل غلق مضيق هرمز، فأطلقت سعر البنزين والسولار والغاز بنسب أكبر من النسب المعتادة للزيادة في كل مرة خلال العقد الماضي، ثم صدرت تصريحات اعتيادية، أدرك المواطن العادي بالفطرة وبالسوابق أنها غير حقيقية، بأن أسعار السلع والخدمات، بما في ذلك المواصلات لن تتأثر، وأن الرقابة على الأسواق ستكون بيد من حديد، لكن ما لبثت أن مرت بضعة أيام، حتى قامت الحكومة نفسها برفع أسعار تذاكر مترو الإنفاق، لتعطي إشارة البدء الرسمي للتجار لإنطلاق وإنفلات الإسعار دون أي رقابة، بعد أن انطلقت بشكل غير رسمي من قبل هؤلاء فور سماع نبأ زيادة أسعار الطاقة.
إجراءات تقشف عليها علامات استفهام
اتخذت الحكومة المصرية فور الإعلان عن ارتفاع أسعار الطاقة حزمة من القرارات التي من شأنها ترشيد استهلاك الكهرباء، خشية من أن تفضي زيادة الإستهلاك -أو على الأقل بقاؤه عند مستواه- إلى أمور أكبر من أن تُعوض بزيادة الأعباء المالية. لذلك أصدرت الحكومة قرار بغلق أغلب المحال التجارية من التاسعة مساء لمدة شهر، عسى أن يُفضى ذلك الإجراء للحد من الكهرباء، كما قامت بخفض إنارة الشوارع، وإطفاء لافتات الإعلانات المضيئة، وإنهاء حفلات النوادى الخاصة بصالات الأفراح.
لا شك أن الإجراءات التقشفية المتخذة قد شابها الكثير من الأمور، لكونها تمت دون دراسة كافية، ما استدعى التراجع عن بعضها، ناهيك عن اللغط في تنفيذها بداية. فنوادي القوات المسلحة والشرطة مستثناة -دون إعلان بذلك- من قرار غلق صالات الأفراح، رغم أن تلك الجهات هي الأدعى بتنفيذ قرارات الحكومة، وجعل الإجراءات التقشفية تطالها قبل أن تطال العامة من الناس وأنشطتهم التجارية الخاصة. إضافة إلى ذلك تراجعت الحكومة بعد 24 ساعة من القرار وقامت باستثناء رسمي للأنشطة السياحية في المدن التي تنشط فيها السياحة الأجنبية، وتحديدا الغردقة والأقصر وأسوان. ورغم أن الاستثناء هو قرار صائب، إلا أن صدور القرار الأول بدونه يشير إلى عدم العفوية وعدم الدراسة للموضوع برمته.
ارتفاع أسعار السلع والخدمات
في اتجاه مواز تركت الحكومة أسعار السلع في الأسواق تركض ارتفاعا، وقد تفاوت سعر السلعة الواحدة ارتفاعها من مكان لأخر حتى في ذات المدينة وربما الشارع. لم تكن أسعار المواد الغذائية هي الأكثر تحريكا، لأن أسعار الأجهزة الكهربائية ومواد البناء قفزت بشكل كبير، لكن أسعار المواد الغذائية كانت هي الأكثر شعورا بارتفاعها من قبل المواطن، لكونه يحتاج إليها بشكل يومي، ما جعل هناك إحتجاج صامت وتذمر كامن بسبب ارتفاع أسعار الخضروات واللحوم بكافة أنواعها والبقول والأسماك وبيض المائدة…إلخ. وكل ذلك ظهر وسط غياب كامل لجهاز حماية المستهلك، والأجهزة الشرطية الموكول لها مراقبة الأسواق، وردع التجار المحتكرين في ربوع البلاد. في هذه الأثناء استمرت التصريحات الحكومية التي تشير إلى ان رئيس الوزراء نفسه أصبح حبيس مكتبه لا يدري ما يدور في الشارع، وكان حديثه عن أسعار الطماطم على سبيل المثال بأنها لا تتجاوز 15 للكيلو، في حين أنها وصلت إلى 50 جنيها في الأسواق، أبلغ دليل على الغياب عن الواقع. وقد بلغ السيل الزبي بمقارنة وقسمة ضيزى بين فرنسا ومصر من قبل وزير الدولة للإعلام، أشار فيها لما يقر بأن مصر من ناحية معيشة المواطن أفضل حالا من فرنسا، مع أن الرجل بحكم وظيفته لم يكن مطالب بأن يحل محل وزراء المجموعة الاقتصادية في الحكومة ليدلي بمثل هذا التصريح المثير للجدل.
إجراءات ضرورية للحد من الغلاء
المهم في إطار كل ما سبق، وفي ظل إنذار رئيس الحكومة بأن البلاد مقبلة حال استمرار العدوان الصهيو-أمريكي على إيران لمدة أطول لارتفاع أكبر وربما أشد وطأة في الأسعار، فإن مصر بالضرورة ستقع في معضلة اجتماعية كبيرة، تهدد بلا شك الطبقتين المتوسطة والفقيرة بشكل مخيف، لكونها ستطيح بكافة الإجراءات التى سبق واتخذتها الدولة كحزم اجتماعية في إطار الحد من الفقر وتنمية القرى الأولى بالرعاية وحماية كبار السن والمرأة المعيلة وأرباب المعاشات.
لا شك أن إقرار الحد الأقصى من الأجور أمر بات حتميا ولا يستثنى منه أحد مهما علا شأنه أو مكانته أو وظيفته أو كادره، بل لعله أهم من أن تنفذ الدولة الحد الأدني من الأجور الذي بات هو الأخر مجرد كلام معسول لا علاقة له بأرض الواقع.
تقشف واجب وعاجل
وكجزء آخر ومهم على الحكومة أن تتحمل فاتورة الترشيد في كافة القطاعات، ولا تحمل المواطن وحده تلك الفاتورة. فالمستشارون الحبلى بهم دواوين مؤسسات الدولة، خاصة من العسكريين أرباب المعاشات والقضاة المنتدبين بالمخالفة للدستور في الجهات الحكومية، والصناديق المالية غير المراقبة من أجهزة الرقابة المالية، والسفارات المصرية في بلدان التخوم …إلخ كل ذلك وغيره من الأمور التي يتحتم مراجعتها وبشكل عاجل، مع الإعلان عن نتائج تلك المراجعة لتبريد حالة الاحتقان الاجتماعي القائم.
منذ أقل من أسبوع سافر وزير الشباب والرياضة إلى السعودية لمجرد حضور مباراة ودية لكرة القدم بين البلدين، المباراة بداية لم يكن لها أي ضرورة، وذهاب الوزير على رأس وفد رياضي أمر معيب وترف متعمد وغير منطقي، لكونه مكلف. بقاء مواكب السيارات والحراسات المبالغ فيها لشخصيات لا تبدو أصلا مستهدفة حتى إبان موجه عدم الاستقرار التي وقعت إبان أحداث 2013.
لا شك أن أولويات التنمية تحتاج هي الأخرى إلى إعادة نظر، خاصة في تلك الأيام العصيبة، ما يجعل من الضرورى الوقف الفعلي وليس الإعلامي أو الدعائي عن المشروعات التنموية منخفضة العائد ومرتفعة تكاليف النشأة. فرض رسوم على الإعلانات والأنشطة المستهلكة للكهرباء ليلا، بدلا من حالة الغلق التي أفضت إلى تسريح آلاف العمال في ورديات المساء، هو أمر أولى بكثير من الغلق المحكم.
أخيرا وليس آخرا، من الضرورة البحث والتنقيب عن سبل أخرى لاستيراد الغاز -وهو أحد أهم مصادر انتاج الكهرباء- من إسرائيل ليس فقط لأسباب قومية، وهذا يكفي، لكن أيضا لكونه يجعل رقبة الدولة في يد عدوها التقليدي، ويجعل مصير الطاقة في مصر في أزمات متتالية لكونه معلق على جماعة من الناس شاء المستقبل والقدر -كما يقول الله في كتابه الكريم- أنهم في عذاب وعقاب أى حروب ومنازعات إلى يوم الدين.
ما سبق هو نوع من التخوف فقط على المستقبل…فهل من مستمع أو مستجيب!!!!





