
مصر باتت وطنًا ثقيل السمع، وطنًا يُرهقه الصمت أكثر مما تُرهقه الأزمات، ويُثقل كاهله العجز عن الكلام أكثر مما تُثقله القيود. لحظةٌ كهذه لا تحتمل مجاملة، ولا تليق بها العبارات الرمادية، لأن الحقيقة — مهما كانت مُكلفة — تظل أقل ثمنًا من الصمت. سؤالٌ واحد يتردد في صدور الملايين قبل أن يُقال: هل هناك من يسمعني؟
قلبُ هذا الوطن لا يزال نابضًا رغم كل ما مرّ به، لكنه نبضٌ متعب، يُخفي في داخله تاريخًا من الصبر الطويل، وصمتًا طال أكثر مما ينبغي. عيون الناس لم تفقد قدرتها على الرؤية، لكنها أُرهقت من مشاهد التكرار، ومن وعودٍ تُعاد كأن الزمن لا يتحرك، وكأن المستقبل مؤجل إلى إشعارٍ آخر.
الشوارع لا تتحدث، لكنها تمتلئ بالحكايات. وجوهٌ تمضي كل صباح إلى أعمالها، تحمل ما لا يُقال، وتبتلع ما لا يُحتمل، وتؤجل أحلامها مرةً بعد مرة، وكأن التأجيل صار قدرًا يوميًا لا مهرب منه.
السلطة تتحدث كثيرًا… لكن الإصغاء غائب. الكلمات تُلقى من أعلى، كأنها قرارات نهائية لا تقبل النقاش، بينما الأسئلة الحقيقية تبقى معلقة في الهواء، بلا إجابة، وبلا حتى اعتراف بوجودها.
أخطر ما في المشهد ليس ارتفاع الأسعار، ولا ضيق المعيشة، بل ذلك الإحساس العميق بأن الصوت لم يعد يصل، وأن المواطن لم يعد طرفًا في معادلة الحكم، بل مجرد رقمٍ في حسابات تُدار بعيدًا عنه.
الوجع حين يُقال قد يخفّ، أما حين يُكتم، فإنه يتحول إلى صمتٍ ثقيل، وصمتٌ كهذا لا يبني وطنًا، بل يؤجل لحظة المواجهة. التاريخ لا يرحم الأوطان التي تُغلق آذانها عن شعوبها، ولا يسامح الأنظمة التي تخلط بين الاستقرار والصمت القسري.
في كل بيتٍ حكاية، وفي كل حكاية سؤال، وفي كل سؤال صدى لا يجد من يلتقطه. ليس لأن الناس لا تعرف كيف تتكلم، بل لأن المساحة التي يُمكن أن يُسمع فيها الكلام تضيق يومًا بعد يوم.
لم يعد المطلوب كثيرًا… فقط أن يُستمع. أن يُفتح بابٌ للحوار، لا أن تُغلق كل الأبواب. أن يُنظر إلى المواطن باعتباره شريكًا، لا عبئًا. أن يُعامل الصوت المختلف باعتباره فرصة للفهم، لا خطرًا يجب إسكاتُه.
الأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تُدار بالصمت، ولا تستقر بإلغاء الأسئلة. الاستقرار الحقيقي يبدأ من لحظة الاعتراف، ومن شجاعة الاستماع، ومن الإيمان بأن الكلمة ليست تهديدًا، بل طريقًا للنجاة.
ما نعيشه اليوم ليس أزمة موارد فقط، بل أزمة ثقة. والثقة لا تُفرض، بل تُبنى، ولا تُشترى، بل تُستعاد. استعادتها تبدأ من لحظة بسيطة… أن يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن كلمته لها وزن، وأن وجوده ليس هامشيًا.
ربما لا تحتاج مصر إلى معجزات بقدر ما تحتاج إلى آذانٍ تُصغي، وقلوبٍ تفهم، وعقولٍ تدرك أن تجاهل الصوت لا يُلغيه، بل يؤجله… حتى يصبح أكثر إلحاحًا.
السؤال لا يزال قائمًا، بسيطًا في كلماته، عميقًا في معناه، ومؤلمًا في صداه: هل هناك من يسمعني؟







