
رحل عن عالمنا الكاتب الإسلامي الكبير الدكتور محمد مورو، مخلفاً وراءه فراغاً في ساحة الفكر والوعي. لم يكن الراحل مجرد صاحب قلم سيال أو كاتب عابر، بل كان صاحب مشروع فكري ورؤيةٍ متكاملة، حاول من خلالها قراءة الواقع قراءةً عميقة تتجاوز سطح الأحداث لتغوص في جذورها ومآلاتها.
لم أكن من المقرّبين شخصياً من الفقيد، لكنني عاصرته من خلال كتاباته الرصينة، وقرأت له في محطات زمنية وفكرية مختلفة. ومن موقع القارئ والمتابع، كان جلياً أننا أمام طرازٍ فريد من المفكرين؛ طراز لا يكتفي بوصف المشهد أو رصد الظواهر، بل يسعى لتفكيكها وفهم اتجاهاتها قبل أن تتبلور نتائجها. كانت لديه تلك القدرة النادرة على “الاستشراف” التي يفتقدها الكثيرون في غمرة الانفعالات السياسية.
في زمنٍ صار فيه الضجيج والزعيق يطغيان على التحليل الهادئ، كان صوت الدكتور مورو يميل إلى الرزانة والوقار. ومع ذلك، كان صوتاً يحمل قدراً عالياً من الوضوح والجرأة في الطرح، بعيداً عن الانفعال اللحظي أو التبسيط المخل الذي قد يفسد القضية. كان هدفه الأسمى هو بناء وعيٍ حقيقي بما يجري، لا مجرد حشد العواطف.
لقد تميّزت كتاباته بقدرة لافتة على الربط بين الفكر الإسلامي والواقع السياسي المعاصر، دون انفصالٍ عن أحدهما ودون ذوبانٍ في الآخر؛ وهي تلك “المعادلة الصعبة” التي لم يُحسن صياغتها كثير من معاصريه، فظل محتفظاً بمرجعيته مع انفتاح كامل على آليات العصر وتحدياته.
برحيل الدكتور مورو، تخسر الساحة الفكرية صوتاً كان يحاول دوماً تقديم قراءة مختلفة، ويطرح أسئلة ضرورية في لحظات كان فيها كثيرون يكتفون بالشعارات الجاهزة أو ردود الفعل الآنية. لقد غاب العقل الوازن، وصمت ذلك الاستشراف الذي كان ينير الطريق لمتابعيه.
رحم الله الدكتور محمد مورو رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من فكر وجهد في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه وتلامذته الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.





