منوعات

خطايا الخديوي إسماعيل بين الطموح والإخفاق

تُعد فترة حكم الخديوي إسماعيل (1863-1879) من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث، حيث حلم بتحويل مصر إلى “قطعة من أوروبا”، مستلهمًا جمال باريس وتنظيمها. ورغم إنجازاته الضخمة في البنية التحتية والتحديث، إلا أن اختياراته الاقتصادية والإدارية أغرقت البلاد في أزمات عميقة.
كان حلم إسماعيل بتحديث مصر يتطلب تمويلًا هائلًا، لكنه لم يعتمد على الإيرادات الداخلية مثل عوائد القطن، بل لجأ إلى الاقتراض الخارجي بشروط باهظة. تولى الحكم وديون مصر لا تتجاوز 11 مليون جنيه، لكن بحلول عزله، اقتربت الديون من 100 مليون جنيه، مع فوائد سنوية بلغت 6 ملايين جنيه، بينما لم تتجاوز ميزانية الدولة 10.5 ملايين جنيه في أفضل السنوات.
أنفق إسماعيل هذه القروض على مشروعات غير ضرورية في كثير من الأحيان، مثل بناء القصور الفاخرة، شراء لقب “الخديوي”، وتغيير نظام الوراثة، بالإضافة إلى إقامة حفلات مبهرة لا سيما لافتتاح قناة السويس. تحليلًا اقتصاديًا، أُنفق 16 مليون جنيه على قناة السويس، 40 مليونًا على الأعمال العامة، 22 مليونًا كخسائر إصدار القروض، و20 مليونًا لأغراض غامضة. وبذلك، استفادت مصر فعليًا من أقل من نصف المبالغ المقترضة، بينما ذهب الباقي لفوائد السمسرة أو مشروعات غير منتجة. ورغم طموحه في بناء دولة عصرية، إلا أن هذا الاعتماد المفرط على الديون أضعف الاقتصاد المصري ومهد الطريق للتدخل الأجنبي.
الاعتماد على الأجانب
في سعيه لتحقيق التحديث، اعتمد إسماعيل بشكل كبير على الشركات والخبراء الأجانب، متجاهلًا الكفاءات المصرية. للأسف، كان العديد من هؤلاء الأجانب، كما وصفتهم الكتابات الأوروبية، “حثالة أوروبا”، يسعون للربح السريع على حساب مصر. على سبيل المثال، قُدّرت تكاليف إنشاء مرفأ الإسكندرية بـ80% أعلى من قيمتها الحقيقية، وتكاليف السكك الحديدية بأربعة أضعاف ما تستحق. هذا الاستغلال أهدر أموال الديون التي كان يمكن أن تُستثمر في مشروعات أكثر جدوى. ورغم أن إسماعيل كان يثق بهؤلاء الخبراء لتحقيق رؤيته، إلا أن هذا الاعتماد العميق جعل مصر فريسة للاستغلال الأجنبي.
كان شغف إسماعيل بالنمط الأوروبي واضحًا في مشروعاته، لكنه ركز على المظاهر الخارجية دون الاهتمام الكافي بـ”تمدين الشعب”. حلم بجعل القاهرة، وبالأخص حيي الجزيرة والأزبكية، مرآة لباريس، فمنح الأراضي مجانًا لمن يبنون قصورًا فاخرة، مما أفاد الأثرياء فقط. بنى دار الأوبرا على الطراز الفرنسي، ومد خطًا حديديًا لحمامات حلوان لخدمة الأرستقراطيين، بينما ظل عامة الشعب بعيدين عن فوائد هذا التحديث. حتى مدن مثل الإسماعيلية وحي الرمل في الإسكندرية صُممت لخدمة الأجانب وأثرياء القطن. هذا التركيز على النخبة جعل التحديث سطحيًا، بعيدًا عن احتياجات الشعب المصري.
تزامن حكم إسماعيل مع “حمى القطن” التي اجتاحت مصر إثر الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، حيث ارتفع سعر القطن من جنيهين إلى 9 جنيهات. لكن بدلًا من استغلال هذا الرواج لتحقيق تنمية مستقلة، ارتبطت المشروعات التنموية بمصالح أوروبا. الترع حُفرت لري أراضي القطن، والسكك الحديدية أُنشئت لنقله إلى الموانئ، والخطوط التلغرافية ربطت مصر بالأسواق الأوروبية. هذا الاقتصاد التابع لم يحقق تنمية مستدامة، بل جعل مصر رهينة لاحتياجات الغرب، دون استثمار حقيقي في الصناعة أو التعليم.
خاتمة: طموح عظيم وأخطاء مكلفة
لم يكن الخديوي إسماعيل مجرد حاكم ، بل كان رجلًا يحمل حلمًا كبيرًا بتحديث مصر وإعادتها إلى مصاف الدول المتقدمة. لكنه، في سعيه لهذا الحلم، وقع في أخطاء استراتيجية: الاقتراض المفرط، الاعتماد على الأجانب غير المخلصين، التركيز على المظاهر دون جوهر التنمية، وربط الاقتصاد بمصالح أوروبا. ورغم أن إنجازاته مثل حفر الترع، إنشاء السكك الحديدية، وتطوير المدن لا يمكن إنكارها، إلا أن ثمنها كان باهظًا، إذ أغرقت مصر في الديون وفتحت الباب للتدخل الأجنبي. إسماعيل، بطموحه وأخطائه، يظل رمزًا للتناقض بين الحلم الكبير والواقع المرير.
المراجع:
عبد الرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1948، مكتبة النهضة المصرية.
أحمد رشدي صالح، دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي، سلسلة تاريخ المصريين.
محمد فهمي لهيطه، تاريخ مصر الاقتصادي في العصور الحديثة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى