الدكتور أيمن نور يكتب: وداعًا محمد مورو… رفيق الزنزانة والعمر

رحل محمد مورو، لا بوصفه اسمًا في سجل،مواليد قريه دنديط،عام ١٩٥٥، بل بوصفه فصلًا من سيرة جيلٍ عاش التجربه الصعبه ،امتحانًا و مهنة، واختار أن يدفع ثمنها أولا بأول ،كاملًا دون خصمٍ، أو تأجيل.
خبر الرحيل يأتي كصوتٍ خافتٍ في زمنٍ صاخب، لكن أثره في الذاكرة يعلو، لأن بعض الغياب لا يُقاس بالحضور الإعلامي، بل بما يتركه في الضمائر.
لقاءنا الأول لم يكن في قاعةٍ ولا ندوة، بل في زنزانة. هناك، حيث تضيق الجدران وتتسع الأفكار، تعرّفت على محمد مورو. و لم يكن الحديث بيننا ترفًا، ولا الصمت خيارًا، بل كانت الكلمة ضرورة، كالماء والهواء. رأيته عن قرب: عقلًا يشتغل حتى في العتمة، وقلبًا لا يتراجع أمام الخوف، وروحًا تُراهن على المعنى ولو خذلته الظروف.
خرجنا من المعتقل، ولم نخرج من الفكرة. سكنّا معًا سنواتٍ في مطلع الثمانينات،في شارع امين سامي والفلكي علي بعد أمتار من مقر الوفد الاول، نتقاسم غرف البيت، وسعة الحلم.
كانت الأيام شحيحة في كل شيء، إلا في الإيمان بما نكتب. نتحاور، نختلف، نتفق، لكننا لم نتخلَّ عن أصل الطريق: أن تكون الكلمة رساله، وأن يظل الضمير غاية، حتى لو أثقلته القيود.كنا ثلاثة أصدقاء ، ثالثنا هو الفنان رسام الكاريكاتير #عصام_حنفي، لم يكن فقط ما يجمعنا ان ثلاثتنا من ابناء محافظه الدقهليه فقط كان عصام صديقي وزميلي في الجامعة ،و في صحيفه #الوفد, بينما كان الدكتور محمد مورو يكبرنا بسنوات،
حيث تخرج من كليه الصيدله التي لم يعمل بها تقريبا بينما تخرج عصام من كليه العلوم وتخرجت انا من كليه الحقوق لكن عملنا جميعا في الصحافة
كتبت و مورو ، كتاب «سليمان خاطر»، وخرج إلى الناس باسمينا معًا. لم يكن الكتاب مجرد توثيقٍ لحادثة، بل كان محاولة لالتقاط لحظةٍ فارقة في وجدان وطن، وقراءة لما وراء الحدث من أسئلة العدالة والكرامة والسيادة. كنا نؤمن أن الكتابة ليست تسجيلًا للوقائع فحسب، بل دفاعًا عن معنى لا يجب أن يُترك وحيدًا.ورغم اختلاف المرجعيات إلا أن المشتركات كانت أكبر.
في تجربته الصحفية، في رئاسه تحرير المختار الاسلامي ،ظل محمد مورو وفيًّا لما آمن به. تولّى مسؤولياته في «المختار الإسلامي»، فحاول أن يجعل من المنبر مساحةً للفكرة لا للصخب، وللنقاش لا للإقصاء. لم يسعَ إلى الأضواء، ولم يطلب تصفيقًا، بل اختار أن يترك أثره في العقول التي تقرأ، لا في الشاشات التي تلمع.
لم يكن بيننا دائمًا اتفاقٌ كامل، وهذا طبيعي في دروب واطياف الفكر، لكن ما لم يتغير أبدًا هو احترامه للاخر ، وحرصه على ألا تتحول القناعة إلى سيفٍ على الآخرين. تلك ميزة نادرة في زمنٍ تُختصر فيه المواقف إلى شعارات، ويُستبدل الحوار بالصراخ.
رحل دكتور محمد مورو، وبقيت أسئلته. بقيت تلك الحوارات الطويلة التي كانت تبدأ في المساء ولا تنتهي إلا على وعدٍ بيومٍ جديد. بقيت تفاصيل صغيرة لا تُكتب في السير الذاتية: ضحكة وسط الضيق، تعليق ساخر يكسر ثقل اللحظة، وإصرار على أن الغد—مهما تأخر—قادم.
وداعًا يا رفيق العمر، والزنزانة… يا شريك السكن والحلم والكتاب. لست رقمًا يُضاف إلى قائمة الراحلين،ولا قرابة ١٠٠ كتاب باسمك في مكتبه ،
بل صفحة لا تُطوى في ذاكرة من عرفوك، وكلمة ورسالة ستظل تبحث عن عقل يلتقطها، ويواصل بها ما بدأناه.








