شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: رسالة لمحافظ البنك المركزي المصرى

 

بعد ساعات قليلة من نشر مقالي حول واقعة، اقتراض رجل الأعمال محمد الخشن لـ٤٠ مليار جنيه مصري، وما طرحناه بموضوعية، حول غياب تطبيق المعايير البنكية والقواعد المتعارف عليها دوليًا في الإقراض، وصلني الرد الذي نشره البنك المركزي المصري.
الرد بدا، في ظاهره، مجردًا ومطمئنًا؛
لكنه في جوهره لم يُجب عن الأسئلة والمقترحات التي تعرضنا لها، واستبدل الإجابات، بسردٍ عام يؤكد فيه المؤكد مثل
وجود سياسات ائتمانية، ودراسات، وضمانات، ومخصصات، ومتابعة دورية.
وهذه كلها أمور من الطبيعي، لزومًا وجودها في أي جهاز مصرفي.

يا سيادة المحافظ.. القضية ليست: هل لدى البنوك لوائح أم لا؟ بل: هل طُبقت هذه اللوائح بكفاءةٍ وصرامةٍ وفي التوقيت الصحيح؟
فوجود القاعدة لا يعني سلامة القرار،
كما أن وجود القرار لا يعني سلامة وعدالة التطبيق.

سيادة المحافظ.. أول ما يجب قوله بوضوح:
١-رد البنك المركزي دافع عن المنظومة بعبارات كلية، ولم يقدّم للرأي العام أي بيانات نوعية عن الحالة محل الجدل:
٢-لم يذكر حجم الضمانات مقارنة بإجمالي المديونية، ولا طبيعتها، ولا درجة سيولتها، ولا نسبة تغطيتها للدين، ولا ما إذا كانت الضمانات عقارية أو أسهمًا أو رهونات على أصول تشغيلية أو تدفقات مستقبلية،
٣- لم يرد في الرد متى جرى تقييمها آخر مرة، وهل أُعيد تقييمها -أصلًا- بعد تقلبات سعر الصرف والفائدة والأسعار.

يا سيادة المحافظ أنت تعلم أكثر مما نعلم أن هذه ليست تفاصيل ثانوية بل هي جوهر أي حكم على سلامة الائتمان.
فالقول بأن “هناك دراسات ائتمانية دقيقة” لا يصلح ردًا.. لأن التاريخ المصرفي، في مصر وخارجها، مليء بحالات تعثرت رغم وجود ملفات دراسة، وتوقيعات لجان، وتقارير تقييم، من مكاتب كبرى مثل صبور والقرشي ثم تبيّن لاحقًا أن الخلل كان في افتراضات الدراسة أو المبالغة في قيمة الضمانات أو التوسع في التركّز الائتماني أو التأخر في الاعتراف بالمشكلة.

أرجو أن تراجع سيادتك ملفات بنك القاهرة -على سبيل المثال- في زمن الراحل أبو الفتوح وأحمد البردعي، وقد كانت محلًا للاستجواب تقدمت به في نهاية التسعينات من القرن الماضي للدكتور يوسف بطرس غالي.
وكشفنا فيه بوضوح أن المعايير الدولية نفسها لا تعتبر إعادة الجدولة أو منح التيسير دليل عافية، بل تفصل بوضوح بين “المنح بسبب صعوبة مالية”
وبين جودة الأصل الائتماني.

يا سيادة المحافظ.. لجنة بازل تؤكد أن القرض المتعثر أو المعاد هيكلته بسبب ضائقة مالية لا يتحول تلقائيًا إلى أصل سليم لمجرد وجود ضمانات أو إعادة ترتيب للسداد.
بل إن قواعد بازل أكثر صراحة من ذلك: في تصنيف التعثر وأنه يرتبط، في جوهره، بتأخر السداد أو بترجّح عدم القدرة على السداد، ولا تلغي الضمانات وحدها صفة التعثر. والنص واضح في أن “التأمينات لا تؤدي الدور الحاسم في تصنيف الانكشاف كمتعثر أو غير متعثر”، وأن منح تسهيلات معالجة لا يجوز أن يكون وسيلة تجميل محاسبي أو هروبًا من الاعتراف بالمشكلة.

سيادة المحافظ.. حديث بيانك عن “الحصول على الضمانات الكافية” لا يكفي وحده لإغلاق النقاش؛ لأن الضمانة تحمي جزئيًا عند التنفيذ، لكنها لا تبرئ قرار المنح إن كان متساهلًا أو مفرط التركّز أو قائمًا على تقدير متفائل لا يسانده الواقع.
وراجع في هذا يا سيدي قواعد رسخها
بنك التسويات الدولية

سيادة المحافظ.. المسألة الثانية:- أن البنك المركزي استند إلى مؤشرات السلامة المالية الكلية ليثبت صلابة القطاع.
…نعم، سيادة المحافظ
المؤشرات الرسمية المنشورة تُظهر تحسنًا لا أنكره في بعض الجوانب عن زمن طارق عامر الذي كان كارثيًا لأسباب تعرفها أكثر مني.
..نعم نقدر ما أعلنه البنك المركزي في يناير 2025 أن نسبة كفاية رأس المال بلغت 19.1% بنهاية الربع الثالث من 2024،
..نعم نقدر ما أظهرته تقارير الاستقرار المالي السابقة ارتفاعًا في كفاية رأس المال إلى 18.1% (في مارس 2024).
لكن، هذه الأرقام، على أهميتها، هي مؤشرات كلية، على مستوى القطاع، ولا تصلح بمفردها دليلًا على سلامة قرار ائتماني بعينه، خاص بالواقع الخاص بالخشن
..تمامًا كما لا يثبت نجاح كل العمليات الجراحية في مستشفى أن ٧٠% من المرضى الذين أجروا عمليات جراحية لم توافهم المنية.

سيادة المحافظ.. وهنا تكمن القضية، وهي، الخلط في بيانك بين: قوة القطاع. براءة كل ملف داخله.
قد يكون النظام المصرفي ككل قادرًا على امتصاص الصدمات، وفي الوقت نفسه توجد داخله حالات تركّز كبيرة أو قروض أعيدت هيكلتها أو انكشافات تحتاج تدقيقًا أشد.
فالنقد الموجه لملف محدد ليس هجومًا من معارض على الجهاز المصرفي، بل هو دفاع عنه من أن تتحول الثقة العامة إلى حصانة ضد المساءلة.

سيادة المحافظ.. صندوق النقد نفسه، في تقاريره عن مصر، أشار إلى أن العلاقة بين البنوك والسيادة العامة شديدة الارتفاع، واصفًا ما سماه “الارتباط السيادي-المصرفي” بأنه من الأعلى عالميًا؛ أي أن قراءة صلابة القطاع لا يجوز أن تكون ساذجة أو أحادية البعد.

ثم إن صورة الائتمان في الاقتصاد المصري نفسه تستحق التوقف.
فبيانات البنك المركزي في تقريره السنوي 2023/2024 تُظهر أن ائتمان قطاع الأعمال الخاص كنسبة من إجمالي الائتمان يدور عند نحو 21.7% إلى 22.4%، بينما أشار البنك الدولي في تحديثه لمصر إلى أن الائتمان الخاص ظل محدودًا، وبلغ نحو 29.6% فقط من إجمالي الائتمان المحلي، مع بقاء الائتمان الحكومي هو المحرك الرئيسي للنمو الائتماني.
معنى ذلك أن السوق أصلًا ليست سوقًا يغلب عليها تمويل القطاع الخاص الواسع والمتوازن، بل سوقٌ تتعايش فيها ندرة نسبية للائتمان المنتج مع بروز ملفّات كبيرة ذات حساسية عالية إذا ما تعثرت أو أُعيدت هيكلتها. وهذا يجعل السؤال عن “التركيز” و“حجم الانكشاف على عميل كبير” سؤالًا مشروعًا.

سيادة المحافظ.. السؤال الأهم: ما الذي لم يقله البيان؟
فلم يقل نسبة المديونية الخاصة بالخشن (محل الجدل)
إلى حقوق ملكية كل بنك من البنوك الدائنة.
لم يقل إن كانت الانكشافات موزعة بما يراعي حدود التركّز على العميل الواحد والأطراف المرتبطة به.
لم يقل حجم المخصصات التي جرى تكوينها بالفعل، ولا أثرها على الربحية، ولا تاريخ بدء التعثر أو إعادة الهيكلة،
ولا هل سبق منح العميل تسهيلات إضافية لتفادي التعثر الظاهر.
كما لم يشرح للرأي العام الفرق بين إعادة هيكلةٍ تحفظ القيمة، وبين ترحيل أزمة إلى المستقبل.
وهذه فجوات جوهرية في أي رد يريد إقناع الخبراء وليس العامة.

سيادة المحافظ.. عبارة “بما يضمن الحفاظ التام على أموال المودعين” عبارة أوسع من اللازم.
فالتحوط بالمخصصات مهم، نعم
لكنه ليس عصًا سحرية. المخصصات اعترافٌ محاسبي بخطرٍ قائم أو محتمل، وليست إلغاءً له.
وإذا كان التعثر كبيرًا، أو الضمانات صعبة التسييل والتنفيذ عليها وأن هذا قد يستغرق وقتًا طويلًا، كما في حالة الخشن، فإن تكلفة الوقت، وتكلفة التقاضي، وتآكل قيمة الأصول، كلها عوامل تجعل الحماية الفعلية

 

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى