دراسة بحثية تكشف أسرار تشكل المؤسسات الرسمية داخل وجدان دولة الإنجازات المصرية

تبحث الدراسة الحديثة التي أعدها الباحث شهاب الخشاب طبيعة الإدارة الثقافية باعتبارها دولة الإنجازات التي تشكلت ملامحها عقب تحولات يوليو عام 1953 ميلادية، حيث يحلل الكتاب الصادر عن جامعة كامبريدج في مارس 2026 الكيفية التي تحولت بها المؤسسات الرسمية إلى ماكينات لإنتاج وتصدير صورة محددة عن القوة الإدارية، ويركز العمل البحثي على رصد المسار التاريخي لمصلحة الاستعلامات ومؤسسة الثقافة الجماهيرية التي تعرف حاليا باسم الهيئة العامة لقصور الثقافة، معتمدا في ذلك على منهج إثنوجرافي يغوص في أرشيف الموظفين الصغار والمنشورات الدعائية التي واكبت بناء النظام الجمهوري وتثبيت أركانه الإدارية في تلك الحقبة التاريخية، وتستعرض الورقة البحثية كيف صار رصد النجاحات التصاعدية ضرورة بيروقراطية تسبق في أهميتها التأثير الجماهيري الفعلي على أرض الواقع.
بدأت ملامح هذا التوجه الأكاديمي تتبلور لدى الخشاب خلال الفترة بين عامي 2013 و2015 أثناء رصده لصناعة السينما، حيث استوقفته تفاصيل استخراج تصاريح التصوير والدور الذي يلعبه المخلصاتي في عبور القنوات البيروقراطية بين وزارة الداخلية والجهات السيادية المختلفة، وكشفت هذه الممارسات اليومية عن سلطة الأوراق والأختام التي تتحكم في العمل الإبداعي وتصيغ مفهوم دولة الإنجازات بعيدا عن الرقابة التقليدية، وهو ما دفعه للبحث في الجذور التاريخية لهذا الكيان الإداري الذي استمر في العمل رغم التقلبات الكبرى التي شهدتها البلاد وصولا إلى عام 2026، حيث يرى الباحث أن فهم طبيعة الدولة المصرية يتطلب العودة إلى إرث يوليو لفحص كيفية تشكل هذا الجسم البيروقراطي وتوارثه كمنظومة اجتماعية متكاملة عبر الأجيال المتعاقبة من الموظفين والمثقفين المنتمين للجهاز الإداري الرسمي.
توثيق البيروقراطية الثقافية عبر الأرشيف البديل
اعتمدت الدراسة في توثيقها لتاريخ وزارة الثقافة والإرشاد القومي على ما يسمى الأرشيف البديل نتيجة صعوبة الوصول للمحفوظات الرسمية، حيث قام الباحث بجمع مكاتبات وتقارير داخلية مبعثرة في بيوت الموظفين القدامى وفي أسواق الكتب المستعملة بمنطقة السيدة زينب وحي الأزبكية، وساهمت هذه الوثائق في تفكيك الرواية الرسمية التي حصرت تاريخ المؤسسة في مذكرات كبار المسؤولين مثل ثروت عكاشة، وأظهر البحث أن دولة الإنجازات لم تكن مجرد قرارات فوقية بل كانت نتاج جهد يومي تراكمي لموظفين رأوا في الروتين الإداري وسيلة لبناء الدولة، وقد شمل البحث تحليل الدوريات المنشورة في صحف الأهرام والجمهورية ومجلة المجلة، إضافة إلى الاستعانة بجهود مؤرخين وصحفيين مثل عماد أبو غازي ومحمد شعير ووائل عبد الفتاح للوصول إلى خبايا العمل داخل أروقة الوزارة.
تضمن الكتاب فصولا تحليلية تناولت التداخل البيروقراطي بين الشأن الثقافي والإعلامي قبل حدوث الانفصال الإداري بين الوزارتين في عام 1966، كما أفرد الباحث مساحة واسعة لتحليل الأنثروبولوجيا البصرية في كتب الإنجازات الرسمية وكيفية استخدام الصور الفوتوغرافية كأداة لإثبات القدرة المادية للحكومة أمام المواطنين، وتناول الفصل الأخير المشاريع القومية الكبرى مثل إنقاذ آثار النوبة وبناء السد العالي بوصفها ذروة الأداء الإداري الذي هدف لإعادة تشكيل المواطن وربطه بجدول أعمال الدولة، وتوصلت الدراسة في ختامها إلى أن الجمهورية الجديدة تمثل الوريث الفعلي لهذه السردية الناصرية، حيث تستمر ماكينة الإنجاز في العمل كمرجعية أساسية لشرعية السلطة من خلال مبادرات معاصرة تتبنى نفس مفاهيم بناء الإنسان المصري وتوظيف الصورة الدعائية لإثبات الإنجاز الإداري.







