
ما يتم تداوله حول إقالة الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأمريكي، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد “تغيير إداري” أو إعادة ترتيب داخل المؤسسة العسكرية وقت الحرب.
نحن أمام مؤشر خطير على تحول أعمق… يمس جوهر العلاقة بين السلطة السياسية تحت إدارة ترامب والمؤسسة العسكرية.
فالجنرال جورج لم يكن مجرد قائد عسكري تقليدي… بل يُنظر إليه في واشنطن، بحسب ما يُنقل، على أنه من القلائل الذين يمتلكون الخبرة والقدرة المهنية والمؤسسية على قول “لا” للرئيس… أو الوزير، دون حاجة إلى تبرير أو مجاملة. وربما كانت هذه هي المشكلة.
في المقابل، وزير الدفاع بيت هيغسيث، القادم من عالم الإعلام كمعلّق سابق في فوكس نيوز، يقود اليوم واحدة من أخطر عمليات “إعادة تشكيل” القيادة العسكرية الأمريكية، وفقًا لرؤية ترامب بإزاحة كل من يقول: لا.
هيغسيث – وفق ما يتم تداوله – لم يكتفِ بإقالة رئيس الأركان، بل قام حتى الآن بإبعاد أو إقالة ما يقارب 24 جنرالًا وضابطًا رفيع المستوى في الجيش والبحرية. واختلف مؤخرًا مع رئيس الأركان المقال بشأن ترقية 4 جنرالات أراد رئيس الأركان ترقيتهم ورفض الوزير، بل ورفض الاجتماع لمناقشة الأمر.
وفي واقعة خطيرة في 28 مارس الماضي، حلّقت مروحيتان هجوميتان من طراز أباتشي فوق منزل المغني كيد روك في ناشفيل، في استعراض فوق منزله لتحيته، وهو من أبرز مؤيدي ترامب. الطائرات كانت في مهمة تدريب لكنها انحرفت عن المسار.
قائد الجيش المقال كان قد أصدر أوامره بوقف الطيارين وإحالتهما للتحقيق، فهناك قواعد صارمة للطيران العسكري داخل المجال المدني، وما فعلوه يتعارض مع مبادئ الجيش الأمريكي الذي يجب أن يبقى غير سياسي.
وهنا تدخل هيغسيث بنفسه، في مشهد يعكس تجاوزًا لتراتبية القيادة، ليكتب على منصة X داعمًا الطيارين المخالفين للأوامر العسكرية والقواعد المهنية، فقال: “لا عقاب. لا تحقيق. استمروا يا وطنيين”. ولم يكلف نفسه حتى الحديث مع رئيس الأركان… وهو أمر خطير في إدارة الجيوش.
ويعتبر المراقبون أن هذا التدخل السياسي المباشر غير مسبوق في شؤون الجيش والترقيات، في سابقة أثارت قلقًا واسعًا داخل الأوساط العسكرية، وكانت سببًا كافيًا في تعميق فجوة عدم الانسجام بين رئيس الأركان والتوجه السياسي الجديد.
فبدلًا من ترسيخ مبدأ الكفاءة المهنية والاستقلال المؤسسي، يبدو أن هناك توجهًا واضحًا نحو تقديم الولاء السياسي على الخبرة العسكرية، وإعادة تشكيل القيادات بما يتماشى مع “رؤية” السلطة التنفيذية، وتسييس المؤسسة العسكرية بشكل غير مسبوق.
بل إن تعيين رئيس أركان جديد كان سابقًا مساعدًا لوزير الدفاع نفسه، يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود المهنية والاستقلال.
ما يجري ليس مجرد خلاف داخل مؤسسة… بل هو اختبار حقيقي لقدرة النظام الأمريكي على الحفاظ على أحد أهم مبادئه: جيش مهني غير مسيّس، ولاؤه للدستور، ويخضع للسلطة المدنية، لكن لا يتحول إلى أداة طيّعة بيدها.
وإذا كان من يقول “لا” يتم إقصاؤه… فمن سيبقى ليمنع القرارات المتهورة، خاصة وهم في قلب حرب تدار لمصلحة ما يفترض أنها دولة أجنبية وهي الكيان المحتل، ويدفع فيها الجيش دفعًا لارتكاب جرائم حرب؟







