فلسطينملفات وتقارير

دوافع وتداعيات صمت الداخل الفلسطيني في ظل سياسات الاقتلاع المنهجي والدمج الاقتصادي

تفرض التحولات الراهنة في المنطقة واقعا معقدا على صمت الداخل الفلسطيني الذي بات يتصدر المشهد كظاهرة سياسية واجتماعية ناتجة عن تراكمات تاريخية بدأت منذ نكبة عام 1948 وما تلاها من فرض الحكم العسكري، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذا السكون ليس مجرد غياب للكلام بل هو استراتيجية بقاء فرضتها ظروف القمع المباشر والرقابة الدائمة التي تمارسها السلطات، ويظهر صمت الداخل الفلسطيني بوضوح في المدن والبلدات العربية التي شهدت تقييدا كبيرا للحركة وتفاوضا مستمرا على تصاريح التنقل وسط تهديدات متواصلة بالتهجير القسري ومحاصرة القرى بالأسلاك الشائكة، وتؤكد الوقائع أن هذا السلوك تحول من تكتيك اضطراري عقب اتفاقات الهدنة عام 1949 إلى وضع قائم ومستقر لمجتمع يعيش جدلية النكبة المستمرة تحت سلطة الاحتلال،

تتصاعد حدة الضغوط على المجتمع العربي خاصة بعد أحداث مايو 2021 التي عرفت باسم هبة الكرامة وما تبعها من أحكام قضائية قاسية، فقد أصدرت المحاكم الإسرائيلية عقوبات بالسجن وصلت إلى 13 سنة ضد مئات الشباب المشاركين في الدفاع عن حي الشيخ جراح والبلدات العربية في الشمال والجنوب، ويعكس صمت الداخل الفلسطيني في الوقت الحالي حالة من العزلة القسرية نتيجة غياب الدعم السياسي والمجتمعي للمعتقلين الذين واجهوا مصيرهم بمفردهم أمام المنظومة القضائية، ويؤدي هذا التراجع في الفعل الجماهيري إلى تعزيز مفهوم الاقتلاع والتشكل الذي تسعى السلطات لفرضه عبر آليات القمع المباشر تارة أو عبر سياسات الدمج الاقتصادي والنيوليبرالية التي تستهدف الطبقات العاملة والفئات المهمشة في الأحياء الفقيرة،

تعتمد السلطات سياسة الدمج الاقتصادي لمواجهة المقاومة الشعبية وتفكيك الروابط الوطنية من خلال تحفيز الارتقاء الطبقي وربط المصير المعيشي بالمنظومة الإسرائيلية، وتكشف إحصائيات عام 2024 الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية أن نسبة المشاركة في سوق العمل بلغت 64.3% بين الرجال ونحو 36.9% بين النساء قبل اندلاع المواجهات الأخيرة، ويعد صمت الداخل الفلسطيني نتاجا طبيعيا لهذه التبعية الاقتصادية التي تضع الأفراد أمام خيارات صعبة بين الحفاظ على الوظائف والمكانة الاجتماعية وبين التعبير عن الهوية، وتظهر هذه الازدواجية بوضوح في أماكن العمل والمستشفيات والجامعات الإسرائيلية حيث يضطر الفلسطينيون للامتثال للضغوط العائلية والاجتماعية لتجنب الملاحقة أو خسارة سبل العيش في ظل نظام حكم عسكري غير معلن،

تشير الدراسات التحليلية إلى أن صمت الداخل الفلسطيني يمثل انهيارا في اللغة السياسية التقليدية التي لم تعد قادرة على تفسير فظاعة الأحداث المتسارعة في غزة والضفة، ويبرز هذا الصمت كأحد الأشكال الأربعة للاستجابة في مواجهة الأزمات الكبرى إلى جانب الغضب والإدانة والإبداع وفقا للنظريات التي تتناول تمثيل الفظائع الإنسانية، وتتجسد هذه الحالة في انكسار منظومة القيم وتطلعات الشباب الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع هويتهم بمجرد خروجهم من أحيائهم العربية كحي الحليصة في حيفا نحو المدن الكبرى، ويبقى صمت الداخل الفلسطيني علامة فارقة ترافق نهاية مراحل سياسية معينة مثل مرحلة أوسلو وبداية البحث عن مسارات جديدة للانتماء تعيد صياغة العلاقة بين مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات،

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى