الدكتور عمرو عاشم ربيع يكتب: رجل غير طبيعي

المدقق والمراقب لشخصية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سيكتشف كل يوم تالٍ أن به خصلة جديدة لم يكن يعرفها فى اليوم السابق، فالرجل يبدو أنه كما لو كان مختلا عقليا، انتهازيا، شتّاما، ديكتاتورا، إمبرياليا، لصا، منساقا للأشرار، فخورا، متكبرا، مغرورا.
كل تلك الصفات، ولربما يُكتشف أكثر منها فى الأيام القادمة، تجعل المرء يتعجب، فأين عقل الناخب الأمريكى عندما اختار هذا الرجل غير المتزن؟ وكيف له أن يتركه مخولا له سلطة تفوق بكثير قدراته الذهنية؟ فهل أدرك إلى أى مدى سيقوده هذا الرجل والمعمورة إلى حافة الهاوية؟.
فى السابق كانت الأدبيات تزهو بالتجربة الأمريكية فى الرقابة السياسية، وتعتبرها أفضل من التجربة البريطانية. فالأخيرة يراقب فيها مجلس العموم السلطة التنفيذية عبر الرقابة البعدية Control، أى عقب الإدارة الحكومية للموقف عبر الآليات المعروفة من أسئلة واستجوابات وسحب ثقة. أما فى الولايات المتحدة فهناك رقابة قبلية Oversight، أى الرقابة قبل الحدث، وهو الأمر القائم عندما يُخطط الكونجرس ويضع شروطه لكيفية إدارة الأمر قبل أن يقوم التنفيذيون على إدارته، وسلطة الكونجرس فى هذا الصدد هى التحكم فى الموازنة العامة للولايات المتحدة.
اليوم يجد الكونجرس نفسه مشلولا وصاغرا أمام رجل يبدو «أرعن» فى كل تصرفاته، صحيح أن الأغلبية فى المجلسين فى يد الجمهوريين، لكن لا يظن المرء أن الأمر سيختلف كثيرا لو كانت الأغلبية فى يد الديمقراطيين يوما ما. ألم يفلت الرجل من العقاب بعد أن اقتحم أنصاره الكونجرس، ودارت أعمال عنف خطط هو لها، بسبب نتائج الانتخابات قبل الماضية، فى مشهد روّع العالم حول البلد الديمقراطى الأفضل فى العالم.
دعوات كثيرة لنهب ثروات البلدان الأخرى، والهيمنة عليها كتلك التى جرت فى حديثه عن نفط فنزويلا، وقد وضع يده عليه بالفعل، وحديثه اليوم عن نفط إيران، وسط بلطجة لم يعرف العالم لها مثيلا. فى القرنين الثامن والتاسع عشر كانت ثروات البلدان النامية تُنهب وتُستباح دون حديث أو تبجُح، اليوم الخطاب أصبح مكشوفا للاستغلال والاستعمار وسرقة ثروات الغير.
الحديث عن احتلال جرينلاند وضم كندا وسب قادة الناتو، ومؤخرا سب الرئيس الفرنسى على الملأ ومن قبله رئيس أوكرانيا، واليوم التطاول على قادة السعودية، كل ذلك وغيره، يشى بسقوط القانون الدولى، ويشى بانتهاء النظام الأممى بقيادة الأمم المتحدة التى لم تحرك ساكنا وسط خروقات لم يبلغ لها مثيل من شخص يملك الزر النووى، استباح كل القيم والأعراف الدبلوماسية، وراح يحرق وينسف ويدمر على بعد آلاف الأميال مقدرات الشعوب. اليوم يخوض الرجل بمفرده حربا على إيران لا ناقة له فيها ولا جمل سوى إرضاء الإرهابى رئيس وزراء الكيان الصهيونى، وإرضاء ليمينه المتطرف وأيديولوجيته المسيحية الصهيونية، محملا خزينة الدولة الأمريكية ملايين الدولارات فوق عجز موازنتها الذى يبلغ عدة تريليونات من الدولارات، بنسف البنى التحتية والحديث عن نية سرقة النفط، وقبل ذلك إيقاع نحو 170 طالبا فى إحدى المدارس صرعى فى طهران تحت نيران قنابله، إرضاء لغروره، واستغلالا لقوة جبارة قدر له الشعب الأمريكى أن يُمسكها له. إلى متى ستستمر تلك الغطرسة؟ وكيف لشعوب الأمم المتمدينة أن تسكت على هذه التصرفات؟ وكيف للشعب الأمريكى ومؤسسات بلاده الصمت على كل ذلك؟.







