مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: حديث مع الجهاز

​أعيش منذ سنوات مع جهازٍ لا يكل… يلازمني، يرصدني دون أن يرمش، يتسلل كل لحظة إلى تفاصيلي قبل أن أتنبه لها. هو مغروس في لحمي، أقرب إليّ من حبل الوريد، يراقب، ويُمسك بخيوطٍ لا أراها… كأنني تحت عينٍ لا تُغلق، وذاكرةٍ لا تنسى.

​يسجل، يقرأ ما لا يُقال. لا يخطئ، لا يتأخر، لا يترك فرصةً لما قد يفلت مني. ظننته حارسًا يراقبني… حتى اكتشفت أنه ليس حارسًا عليّ، بل حارسٌ لي. هو جهاز ملتصق بي، يقيس سكر الدم، ويكشف ما تخفيه نفسي قبل جسدي.

​شريحة صغيرة، تختبئ تحت الجلد، تراقب سري الذي لا أعلنه: (سكر الدم). تسرقني من غفلتي إذا ارتفع، وتوقظني إذا انخفض، تعيد ترتيب توازني كلما اختلّ.

​كنت أظن دائمًا أن الارتفاع يولد من طعامٍ زائد، أو شرابٍ مُفرط… حتى اكتشفت أن للانفعال مطبخًا خفيًا، يطهو في الأعماق ما لا يُرى، ويصعد إلى الدم دون استئذان. بعض الغضب يُؤكل، وبعض الكلمات تُشرب، وبعض الاجتراء والاستحلال يتحول في الداخل إلى أرقامٍ مفزعة.

​هذا المساء… لم يصرخ الجهاز بعد لقمة، ولم يولول بعد رشفة سكر، بل انتفض بعد انفعالٍ باغتني على غير عادتي، وكأن الجسد يكتب بلغة الأرقام ما عجزت الروح عن قوله باللسان.

​عدت إلى بيتي، ثم إلى غرفتي، أغلقت الباب، لكن الجهاز لم يتوقف عن الصراخ. فكرت أن أُسكته بحقنةٍ سريعة… لأختصر الحكاية في وخزة إبرة، وأُسكت الأثر دون أن أواجه السبب. لكن الجهاز سبقني، لا بصوته ورنينه الحاد، بل بهمسةٍ عاقلة قائلًا:

​”ليس كل ارتفاعٍ يُعالج بالدواء… بعضه دواؤه أن تهدأ”.

​صمتُّ… لأنني فهمت أن الحوار لم يعد فقط مع الجهاز، بل مع نفسي. يسألني: منذ متى تتهيج أعصابك من نذالة ندل… أو ادعاءات مدّعٍ؟

​أشعر أن السؤال مرآة، لا استجواب. وأن الإجابة لا تُقال، بل تُستعاد من عمقٍ كنت أظنه يقينًا لدي. يقول لي الجهاز، كمن يردّني إلى مقامي الأول:

“ابقَ كما كنت… أكبر من الأقزام، أكرم من الطامعين”.

​أدرك أن الجسد لا يكذب، وأن ما يخفيه العقل يعلنه الدم. وأن التوازن ليس رقمًا على شاشة، بل سكينةٌ تُنقذ ما تبقى من اتساقنا.

​هذا المساء… لم أسعَ أن أُسكت الجهاز، بل أنصتُّ إليه. لا أبحث عن جرعةٍ إضافية، بل عن هدوءٍ كافٍ يعيدني إليّ.

​أخيرًا فهمت… أن أخطر ما يرتفع فينا ليس السكر، بل ما نسمح له أن يرفع السكر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى