
لم يسقط النظام الإيراني، ولم تحسم الحرب عسكريا بشكل قاطع. فالحروب الحديثة لا تقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بقدرتها على إعادة تشكيل البيئة السياسية والتحالفات الإقليمية. ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة جديدة عنوانها: إعادة توزيع النفوذ لا حسم الصراع.
إيران، نجحت في تجنب الانهيار واحتفظت بأدوات ردعها الأساسية، لكنها خرجت من المواجهة وهي تواجه تقييدا متزايدا في قدرتها على التحرك بحرية وتوسيع نفوذها دون كلفة، مع بقاء أدوات التأثير فاعلة لكنها تعمل ضمن هامش أضيق وتحت ضغوط متزايدة .
الضغوط التي طالت شبكات نفوذها، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، كشفت حدود قدرتها على إدارة صراع متعدد الجبهات دون كلفة سياسية متزايدة. لم تهزم طهران، لكنها لم تعد أيضا في موقع من يمتلك المبادرة المفتوحة، بل انتقلت جزئيا إلى موقع إدارة الضغوط بدل توسيع النفوذ.
في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها حققت مكسبا سياسيا ، ليس فقط من خلال قدرتها على فرض معادلات ردع جديدة، بل عبر استثمارها في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بخصومها. فقد نجحت في دفع عدد من الدول العربية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية، واضعة التهديد الإيراني في صدارة الحسابات، وهو ما فتح الباب أمام أنماط جديدة من التعاون، بعضها معلن وأكثرها لا يزال في الظل.
غير أن هذا “الربح الإسرائيلي” يظل هشا ومشروطا. فالتوسع العسكري في الضفة الغربية، والتوغلات في لبنان وسوريا، تحمل في طياتها مخاطر استنزاف طويل الأمد، مع إمكانية إعادة إنتاج عزلة دولية إذا ما تطورت الأمور إلى مواجهة أوسع أو أزمة إنسانية متفاقمة. بعبارة أخرى، “سجلت إسرائيل مكسبا تكتيكيا، لكنه لا يرقى إلى حسم استراتيجي.”
تآكل هيبة القوة: التفوق العسكري دون حسم :
لكن التحول الأعمق ربما لا يتعلق بإيران أو إسرائيل وحدهما، بل بالصورة الذهنية للقوة العسكرية ذاتها. فالقوى التي لطالما قدمت بوصفها قوى لا تهزم وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل تواجه اليوم واقعا أكثر تعقيدا، لم يتراجع تفوقها التكنولوجي، بل ربما ازداد، لكن ما تراجع هو قدرتها على ترجمة هذا التفوق إلى حسم سياسي سريع ونهائي.
فلم يعد التفوق العسكري التقليدي كافيا للحسم، في ظل بيئات صراع مركبة تتداخل فيها المستويات العسكرية والأمنية والسياسية، النتيجة ليست هزيمة عسكرية، بل تآكل تدريجي في هيبة الردع المطلق، حيث لم تعد القوة تعني السيطرة الكاملة، ولم يعد التفوق يضمن الاستقرار.
هذا التحول يفتح المجال أمام قوى إقليمية أصغر للمناورة، ويمنح خصوما أقل إمكانيات قدرة أكبر على الصمود.
أما دول الخليج، فتقف في قلب هذا التحول، لكنها لا تنخرط فيه ضمن مسار احادي ، إذ تتجنب الانحياز الكامل لطرف واحد، وتتبنى سياسات مرنة تقوم على موازنة المخاطر وتنويع الشراكات.
من هنا، يبدو أن الاتجاه العام لن يكون نحو اندفاعة كاملة في التطبيع، ولا نحو قطيعة شاملة، بل نحو براغماتية حذرة تجمع بين التعاون الأمني المحدود والانفتاح السياسي المشروط. وفي السياق ذاته، تبرز ملامح محور إقليمي يمكن وصفه بـ“محور التهدئة” أو “دول الوساطة”، وهو محور لا يسعى إلى كسر إيران بقدر ما يحاول احتواءها، ولا إلى التحالف الكامل مع إسرائيل بقدر ما يستثمر في تقليل كلفة الصراع. هذا التوجه يعكس إدراكا متزايدا بأن الاستقطاب الحاد لم يعد خيارا مستداما في منطقة مثقلة بالأزمات.
أما الحديث عن صدام سني–شيعي شامل، فيبقى أقرب إلى التوصيف الدعائي منه إلى الواقع الاستراتيجي. فالصراع في جوهره ليس مذهبيا بقدر ما هو صراع على النفوذ والموارد والتموضع الجيوسياسي. الطائفية هنا أداة تعبئة، وليست محركا أصليا للأحداث، وهو ما يجعل احتمالات الانزلاق إلى حرب طائفية مفتوحة أقل ترجيحا، رغم استمرار التوترات بالوكالة.
يبقى السؤال الأهم: ماذا عن مستقبل إيران؟
السيناريو الأقرب ليس السقوط ولا الهيمنة، بل الصمود مع إعادة التموضع. فالنظام الإيراني لا يزال يمتلك من المرونة ما يسمح له بامتصاص الصدمات، لكنه سيضطر إلى التكيف مع بيئة إقليمية أقل تسامحا مع تمدده، وأكثر استعدادا لمواجهته بوسائل متعددة.
في “اليوم التالي للحرب”، لا يوجد منتصر مطلق ولا مهزوم كامل. هناك فقط خريطة جديدة تتشكل ببطء، قد تتحول إسرائيل إلى لاعب أكثر حضورا، وتتراجع إيران خطوة إلى الخلف دون أن تغادر المسرح، بينما تحاول دول الخليج رسم مسار ثالث يوازن بين الأمن والاستقرار.
إنها لحظة انتقالية بامتياز، لا تختصر في سؤال “من ربح؟”، بل في سؤال أعمق:
كيف يعاد تشكيل الشرق الأوسط، وعلى أي أسس سيبنى توازنه القادم؟





