أزمات تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة تثير جدلا حول معايير الكفاءة والمجاملات

تتصدر أزمات تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة المشهد الرسمي في مصر حاليا بعد إعلان وزارة الثقافة عن القوائم الجديدة التي ضمت أسماء من خارج الحقل الإبداعي التقليدي، حيث تسبب هذا القرار في حالة من التباين الواسع نتيجة غياب معايير الاختيار الواضحة والاعتماد على التعيينات المباشرة لشخصيات لا ترتبط بالوسط الثقافي، وهو ما أعاد إلى الأذهان وقائع سابقة شهدت ترشيح أسماء لمناصب وجوائز رسمية استنادا إلى صلات قرابة أو نفوذ وظيفي داخل أروقة المؤسسة الرسمية،
تتجه الأنظار صوب اختيارات اللجنة العامة التي غلب عليها طابع كبار السن حيث لم يقل عمر أصغر الأعضاء عن 70 عاما في مشهد يكرس لسيطرة أنماط إدارية قديمة، ويظهر تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة في نسخته الأخيرة تراجعا ملحوظا في تمثيل جيل الشباب مقابل الاستعانة بكوادر من عهود سابقة، الأمر الذي أدى لوصف التشكيل بأنه يعاني من الشيخوخة التنظيمية ولا يتماشى مع مجتمع ضخم يصل تعداده إلى 114 مليون نسمة يحتاج إلى دماء جديدة تمتلك رؤية عصرية وشابة،
تضمنت القوائم أسماء أثارت تساؤلات فنية وإدارية واسعة ومنها الصحفية دعاء جمال البادي والمصرفية لميس نجم وهالة عبد الودود المسؤولة بقطاع العلاقات الخارجية بإحدى الشركات العقارية، كما برز اسم نجلاء نصير مستشار الرئيس التنفيذي لشركة “WE” ضمن لجنة الاستثمار الثقافي وتولى الإعلامي عمرو الليثي رئاسة لجنة الإعلام بتكليف من جيهان زكي، بينما استمرت سماح أبو بكر عزت في موقعها كمقررة للجنة الطفل رغم المطالبات المتكررة بتجديد الدماء في كافة اللجان النوعية،
يهيمن الغموض على آليات تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة خاصة بعد تأخر الإعلان الرسمي عنها لفترة طويلة منذ انتهاء المدة القانونية في شهر نوفمبر الماضي، وتشير المعطيات إلى أن الوزير السابق أحمد هنو كان قد أعد التصور النهائي بمفرده معتمدا على اختياراته الشخصية المباشرة بدلا من نظام الترشيحات المتعارف عليه، وهو ما تسبب في فراغ تنظيمي لعدة أشهر أدى في النهاية إلى خروج تشكيل يفتقر للشفافية المطلوبة ويواجه اتهامات بتهميش الأصوات المستقلة،
تبرز ظاهرة تعدد العضويات كأحد أهم المآخذ على التشكيل الجديد حيث تستحوذ مجموعة محدودة من الأسماء على مقاعد في لجان مختلفة مما يكرس لشبكات المصالح، ويؤدي هذا التكرار في الأسماء إلى حرمان الكفاءات الجديدة من فرصة المشاركة الحقيقية ويجعل المؤسسة الثقافية تدور في حلقة مفرغة من الأفكار التقليدية، كما يغيب التنوع الفكري والتمثيل الحقيقي للتيارات الإبداعية المعاصرة في ظل السعي لاستحضار أسماء لا تمتلك سجلا ثقافيا حافلا أو إنتاجا أدبيا وفنيا ملموسا،
ترتبط التعيينات الجديدة في لجان المجلس الأعلى للثقافة بظهور لافت لأعضاء من نوادي اجتماعية شهيرة مثل الروتاري والليونز وشخصيات من قطاعات المصارف والعقارات، ويعكس هذا التوجه تحول الثقافة من قطاع متخصص إلى مجال تحكمه العلاقات الاجتماعية والدوائر المغلقة البعيدة عن الكفاءة المهنية، حيث يتم توزيع الأدوار بناء على المكانة الاجتماعية والنفوذ المالي لا على الإبداع، مما عمق الفجوة بين المؤسسات الرسمية وبين المشهد الثقافي الحقيقي الذي يعيشه المبدعون،
يفتقر تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة الحالي إلى رؤية واضحة للتعامل مع قضايا العصر مثل التحول الرقمي وحرية التعبير ودعم الصناعات الإبداعية المستقلة، ويشمل المجلس 24 لجنة متخصصة في السينما والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والترجمة والتاريخ والآثار وفنون الطفل والشباب والجغرافيا والعلوم القانونية، ورغم هذا التنوع الواسع إلا أن غياب الحوار المجتمعي قبل الاختيار جعل هذه اللجان تبدو كجهاز إداري يتبع السلطة التنفيذية أكثر من كونها منارة للفكر،





