مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب : العدالة في سوريا . من كسر الإفلات من العقاب إلى ضرورة العدالة الانتقالية

 

بعد سنوات على مجزرة خان شيخون، لا يزال الضحايا وذووهم يواجهون حقيقة قاسية: الجرائم موثقة، المسؤوليات محددة، لكن العدالة لم تتحقق بعد. هذه المفارقة تكشف خللاً عميقاً في النظام الدولي، حيث تتصادم القواعد القانونية الصارمة مع حسابات السياسة.

الهجوم الكيميائي الذي استهدف خان شيخون شكّل انتهاكاً صارخاً لـ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وهي من القواعد الآمرة في القانون الدولي. وبحسب تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فقد ثبتت مسؤولية النظام السابق بقيادة بشار الأسد عن استخدام هذه الأسلحة ضد المدنيين. ومع ذلك، بقيت المحاسبة الدولية الشاملة معطّلة، نتيجة شلل مجلس الأمن الدولي والانقسامات السياسية داخله.

ورغم هذا العجز، ظهرت مسارات بديلة حاولت كسر حالة الإفلات من العقاب، ومن أبرزها التجربة الفرنسية. فقد استخدم القضاء الفرنسي مبدأ الولاية القضائية العالمية لفتح تحقيقات في الجرائم المرتكبة في سوريا، مستنداً إلى شهادات الضحايا والأدلة المتراكمة لدى المنظمات الدولية. وفي تطور غير مسبوق، أصدر قضاة التحقيق في باريس مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وعدد من كبار المسؤولين، على خلفية جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الهجمات المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية.

تمثل هذه الخطوة تحوّلاً نوعياً في مسار العدالة الدولية، إذ إنها تستهدف رأس السلطة نفسه، وتؤكد أن الجرائم الدولية الجسيمة لا ينبغي أن تبقى محصّنة سياسياً. لكنها في الوقت ذاته تبقى محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى توقيفات ومحاكمات فعلية، وهو ما يرتبط بتغيّر الظروف السياسية على الأرض.

إن استمرار الإفلات من العقاب لا يهدد فقط العدالة للضحايا، بل يقوّض أيضاً منظومة حقوق الإنسان الدولية بأكملها. فعندما تمرّ جرائم بحجم استخدام الأسلحة الكيميائية دون محاسبة، فإن ذلك يضعف الردع الدولي، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن القانون يمكن تجاوزه دون عواقب.

من هنا، تبرز اليوم ضرورة ملحّة لإطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، خاصة في مرحلة ما بعد سقوط النظام. هذا المسار لا يقتصر على المحاكمات، بل يشمل مجموعة من الآليات التي تهدف إلى تحقيق العدالة الشاملة، وفي مقدمتها:

كشف الحقيقة حول ما جرى، من خلال لجان مستقلة توثّق الانتهاكات وتحدد المسؤوليات ،جبر الضرر للضحايا وذويهم، مادياً ومعنوياً، بما يعيد لهم جزءاً من كرامتهم المسلوبة ، المساءلة الجنائية، سواء عبر محاكم وطنية أو دولية أو مختلطة وإصلاح المؤسسات التي تورطت في الانتهاكات، لضمان عدم تكرارها

إن العدالة الانتقالية ليست خياراً سياسياً، بل ضرورة قانونية وأخلاقية. فهي تمثّل الطريق الوحيد لتحقيق إنصاف حقيقي للضحايا، وبناء سلام مستدام قائم على الحقوق، لا على التسويات الهشة.

كما أن دعم الآليات الدولية، مثل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، يظل عنصراً أساسياً في هذا المسار، لما توفره من توثيق مهني للأدلة يمكن استخدامه في أي محاكمات مستقبلية.

في النهاية، لا يمكن لأي عملية إعادة بناء في سوريا أن تنجح دون وضع العدالة في صلبها. فالضحايا لا يطالبون بالانتقام، بل بالاعتراف والإنصاف والمحاسبة. والتجربة الفرنسية، رغم محدوديتها، تُظهر أن العدالة ممكنة عندما تتوفر الإرادة. أما التحدي الحقيقي اليوم، فهو تحويل هذه الإمكانية إلى مسار شامل يعيد للضحايا وذويهم حقوقهم، ويؤسس لمرحلة لا تتكرر فيها تلك الجرائم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى