
لطالما نظرتُ إلى التجربة الأمريكية بوصفها نموذجًا حديثًا للدولة الدستورية التي استطاعت أن تُحوِّل القيم المجردة — الحرية، المساواة، العدالة، الفصل بين السلطات — إلى مؤسساتٍ قابلة للمساءلة. لم تكن تلك المبادئ بالنسبة لي شعاراتٍ سياسية، بل كانت مصدر إلهامٍ شخصي؛ معيارًا أقيس به أداء الدول، وأحتكم إليه حين أُقيِّم انحراف السلطة أو ازدواجية المعايير.
كنت أرى في نصوص الدستور الأمريكي تعبيرًا نادرًا عن وعيٍ تاريخي عميق بخطورة تداخل السلطة مع العقيدة، وبحاجة الدولة الحديثة إلى حيادٍ يحمي الجميع، مؤمنين وغير مؤمنين. ولذلك، فإن أي تراجع عن تلك المبادئ لم يكن بالنسبة لي مجرد خطأ سياسي، بل بدا وكأنه خيانة لفكرةٍ آمنتُ بها، واستلهمتُ منها قناعاتي حول حقوق الإنسان، والعدالة الدولية، والمساواة أمام القانون.
وقد آلمني، في السنوات الأخيرة، ما بدا من ازدواجية في تطبيق تلك القيم على المستوى الدولي، سواء في قضايا حقوق الإنسان أو في معايير العدالة بين الشعوب. غير أن ما يفوق هذا الألم هو ما نشهده اليوم من اهتزاز أحد الأعمدة الأكثر رسوخًا في التجربة الأمريكية: مبدأ الفصل بين الدين والدولة.
الصور والفيديوهات والتصريحات الأخيرة للرئيس ترامب ، وكذلك المواقف الصادرة عن السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هوكابي ، لا تمثل — في تقديري — مجرد خطابٍ انتخابي أو تعبيرٍ شخصي عن قناعات دينية، بل تعيد فتح سؤالٍ تأسيسي حول طبيعة الدولة الحديثة نفسها:
من هنا جاء هذا المقال… دفاعًا عن الفكرة التي جعلت من الدولة الحديثة إطارًا جامعًا لا ساحة صراعٍ مقدس.
لم يكن مبدأ الفصل بين الدين والدولة في التجربة الأمريكية تفصيلاً قانونيًا، بل كان أحد الأعمدة المؤسسة للجمهورية الحديثة. الآباء المؤسسون، وهم يضعون نصوص الدستور ، كانوا يدركون خطورة أن تتحول الدولة إلى حارس لعقيدة بعينها، أو أن يتحول الإيمان إلى أداة تعبئة سياسية.
اليوم، تعود هذه المسألة إلى الواجهة مع التصريحات والمواقف التي صدرت عن الرئيس الأمريكي ، والتي دعت بصورة مباشرة أو ضمنية إلى ، التشكيك في الصيغة الصارمة لفصل الكنيسة عن الدولة.
قد يبدو الأمر للبعض مجرد خطاب انتخابي موجه لقاعدة دينية محافظة، لكنه في جوهره يعيد فتح نقاش تأسيسي:
هل تبقى الدولة محايدة تجاه الأديان، أم تتحول إلى راعٍ لهوية دينية محددة؟
الأمر لا يقف عند حدود الخطاب الداخلي. فتصريحات سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، التي أشار فيها إلى أبعاد دينية في تفسير الحقوق الإقليمية لإسرائيل، أعادت طرح سؤال أكثر خطورة:
ماذا يحدث عندما تدخل النصوص المقدسة إلى ميدان الجغرافيا السياسية؟
إن ربط السيادة أو الحدود أو الحقوق التاريخية بوعود دينية يخرج النزاع من كونه سياسيًا قابلًا للتفاوض إلى كونه صراعًا عقديًا مغلقًا. وهنا تكمن الخطورة. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب التي تُخاض باسم العقيدة أطول عمرًا وأقل قابلية للحل.
إسرائيل تُعرّف نفسها كدولة يهودية، وهو تعريف له أبعاده القانونية والسياسية. غير أن التحول من “هوية ثقافية” إلى “شرعية دينية مبرِّرة للسياسات” هو الخط الفاصل بين دولة حديثة ودولة مؤدلجة دينيًا.
حين تُستخدم مفاهيم مثل “الوعد الإلهي” أو “الاختيار الإلهي” في الخطاب السياسي، فإن ذلك يضع مبادئ المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان في موضع تساؤل. لأن الدولة الحديثة تقوم على عقد اجتماعي بين مواطنين متساوين، لا على امتيازات تستمد من انتماء عقائدي أو عرقي.
في الشرق الأوسط، المسألة أكثر حساسية وتعقيدًا. فالمنطقة عانت طويلًا من تجارب “الدين السياسي”، سواء في صور حركات أيديولوجية سعت للوصول إلى السلطة عبر الخطاب الديني، أو أنظمة وظّفت الدين لتثبيت شرعيتها.
أي انحياز دولي نحو شرعنة الخطاب الديني في السياسة سيُقرأ في الشرق باعتباره رسالة ضمنية:
أن الطريق إلى السلطة يمكن أن يمر عبر تأويل النصوص المقدسة.
وهذا يخلق ثلاثة مخاطر مباشرة:
تشجيع الحركات المتشددة على تبني خطاب ديني أكثر صدامية.
إضعاف التيارات المدنية التي تدافع عن الدولة الوطنية الحديثة.
تحويل الصراعات السياسية إلى صراعات هوية مقدسة.
المنطقة التي لم يكتمل فيها بعد مشروع الدولة المدنية المستقرة، لا يحتمل موجة عالمية جديدة من “تديين السياسة”. لأن ذلك سيعيد إنتاج الاستقطاب، ويمنح المبرر لكل طرف أن يعتبر نفسه ممثل الإرادة الإلهية.
:الدرس التاريخي يذكرنا أن أوروبا لم تخرج من عصورها الدينية الدموية إلا حين أقرت أن الإيمان شأن فردي، بين الإنسان وربه ، وأن الدولة كيان تنظيمي يخضع للمساءلة البشرية. لم يكن ذلك رفضًا للدين، بل حماية له من أن يتحول إلى أداة صراع.
الدولة الدينية — أيًّا كانت ديانتها — تحمل في داخلها بذور الاستبداد؛ لأن من يعارض السلطة يصبح، ضمنيًا، معارضًا للعقيدة.
وهنا تسقط المساءلة، ويتحول الخلاف السياسي إلى خصومة وجودية.
المواجهة ليست بين المتدينين وغير المتدينين ،وليست بين الشرق والغرب.المعركة الحقيقية هي بين نموذجين:
دولة تقوم على المواطنة والقانون.
ودولة تستند إلى تفسير ديني يمنح السلطة حصانة أخلاقية مطلقة.
إذا أصبح من المقبول في دولة كبرى أن يُعاد تعريف المجال السياسي على أسس دينية، فإن ذلك سيطلق موجة عالمية من التوظيف الديني للسلطة — موجة قد تعيد العالم إلى مناخات ظننا أنها أصبحت جزءًا من الماضي.
إن حماية مدنية الدولة ليست موقفًا أيديولوجيًا، بل ضرورة لحماية الإيمان ذاته من أن يُختزل في مشروع حكم.
والسؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا:
هل نريد دولة يحكمها القانون ، أم تأويلٌ بشري لما يظنه البعض إرادة السماء؟
ليست المشكلة في أن يؤمن الإنسان، فالإيمان جزء من طبيعته، ولا في أن تستلهم المجتمعات قيمها الروحية في أخلاقها العامة. المشكلة تبدأ حين يتحول الإيمان من نورٍ يهدي الضمير إلى سلطةٍ تحتكر الحقيقة، ومن علاقةٍ شخصية مع المطلق إلى أداةٍ لإدارة المجال العام.
كلما ضاقت السياسة، احتمت بالمقدس. وكلما ضعفت الحجة، استعانت بالسماء. وهنا يتبدل ميزان الأمور: لا يعود الخلاف حول السياسات، بل حول العقائد؛ ولا يصبح الخصم معارضًا، بل خارجًا عن الحق.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد مناخاته حين تتشابه الشروط. وعصور الظلام لم تكن غيابًا للدين، بل غيابًا للعقل الحر تحت سلطة تفسيرٍ واحد. فإذا اختلطت السلطة بالتأويل، وتقدست القرارات البشرية، دخل العالم منطقة رمادية يصبح فيها الاعتراض خطيئة، والمساءلة تمرّدًا.
السؤال إذن ليس: هل يعود الدين إلى المجال العام؟
بل: هل يعود العقل إلى الهامش؟
إن الدولة الحديثة لم تُبنَ لتقصي الإيمان، بل لتمنع احتكاره. ولم تُنشأ لتنافس السماء، بل لتنظم الأرض. فإذا نسينا هذا الفارق، فقد لا نعود إلى عصور الظلام بمعناها التاريخي، لكننا سنستدعي روحها — حيث يُغلَق باب النقاش باسم اليقين، وتُعلَّق الحرية على جدار القداسة.
والخيار، في النهاية، ليس بين الإيمان واللادين، بل بين دولةٍ تُحاسَب، وسلطةٍ تتقدّس.





