مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: التوازن والتنازل…

 


التوازن ليس تنازلًا، والتنازل ليس توازنًا، رغم تقارب الحروف وتشابه الإيقاع. الفارق بينهما يظهر عند أول اختبار ،حين يُصان الحق أو يُهدر .
التوازن لا يُختزل في الوقوف بين طرفين، بل في امتلاك القدرة على رؤية المشهد كاملًا بعيدًا عن عمى الأيديولوجيا أو جنون السوشيال ميديا؛ رؤيةٌ تُدرك تعقيد الواقع وتتعامل معه بوصفه شبكةً من الاحتمالات، لا ساحةً لثنائياتٍ ساذجة وبلهاء .

السياسي المحترف يدرك أن الواقع ليس أبيض أو أسود، وأن الحقيقة كثيرًا ما تتوزّع بين زوايا متعددة؛ تحتاج عقلًا يجمعها ويوازن بينها، لا صوتًا يختزلها في موقفٍ واحد.
الفارق بين ما هو سياسي وما هو إعلامي ليس فارق اعتلاء فراغ لهواء علي منصة، بل فارق المسؤولية. فالإعلامي يخاطب مشاهدين، ويقيس كلمته بالتفاعل، بينما السياسي يصنع موقفًا، كلمته تُبنى عليها قرارات وتحولات.

السياسي لا يملك رفاهية الخطأ السريع؛ كل عبارة عنده محسوبة، وكل كلمة لها ما قبلها وما بعدها..
الناشط يقف هو الآخر ،في مساحة مختلفة؛ مساحة حماس ، يرفع سقف المطالب ويضغط نحو الأفضل، دون أن يكون ملزمًا دائمًا بحسابات التنفيذ أو كلفة القرار و دون ان يكون ملزما باجابات محدده مثل كيف ومن اين وما هي الخطوات.

اختلاط هذه الأدوار يخلق ارتباكًا خطيرًا؛ إعلامي يتقمص بفعل الفراغ دور السياسي، أو سياسي يتحدث بروح الناشط، فتضيع الحدود، ويضيع معها ميزان التوازن.
التوازن لا يعني إرضاء الجميع، بل حماية ما يجب حمايته. قرارٌ قد لا يرضي اللحظة، لكنه يصون المستقبل، وموقفٌ قد لا يحصد إعجابًا سريعًا، لكنه يحفظ مكانة العقل و الوطن.

درسٌ باقٍ من أستاذي وأبي الروحي فؤاد سراج الدين يلخص المعنى بدقة؛ كان يرى أن السياسة فعلٌ مرتبط بالسياق. رئيس الدولة في مهمة خارجية يمثل مصر، ونقده حق، لكن توقيته جزء من الحكمة. إن لم نساندة،فلا نُضعفة.
دقة اللحظة جزء من جوهر التوازن السياسي،كلمةٌ في غير وقتها قد تضر، وموقفٌ خارج سياقه قد يُفهم على غير مقصده.

التوازن الحقيقي يفرض على السياسي ألا يعارض ما ينبغي تأييده، وألا يؤيد ما ينبغي معارضته؛ معادلة دقيقة، تختبر وضوح الرؤية و تختبر المصداقية.
التنازل يبدأ حين تكون المصلحة الشخصية مبرر للتفريط ،حين يصبح الممكن بديلًا عن الصحيح، وتتحول الشعبوية إلى منهج.

التوازن شجاعة -وليس العكس-
شجاعة القرار حين يكون صعبًا،
وشجاعة تحمّل كلفته دون الاختباء خلف ادعاءات البطولات ،والأكاذيب، والمزايدات.

وعي الشعوب يظل الحارس الأخير؛ شعبٌ يميز بين التوازن والتنازل لا يُخدع بسهولة، ولا يمنح التفريط شرعية.

ولهواه الشطط من أجل الشهرة أقول:-
التوازن هو الاعتدال، هو الوسطية، هو العقل، هو الحكمة الوطنية ، التي تعرف متى تتقدم ومتى تتريث، متى تقول “نعم” دون ضعف، ومتى تقول “لا” دون تهور، هو القدرة على الجمع بين حماية الثوابت وإدارة المتغيرات دون أن يضيع أحدهما في الآخر.

الحياة السياسية- في الداخل -لا تخلو من أسماء يمكن الرهان على قدرتها في هذا الميزان الدقيق؛ من بينهم المفكر والسياسي الدكتور حسام بدراوي، والأستاذ محمد أنور السادات، والمهندس أبو العلا ماضي، والدكتور السيد البدوي، وغيرهم من أصوات العقل في الداخل ،التي تستحق أن يستمع إليها، لما تحمله من قدرة على التمييز بين الموقف والانفعال، وبين القرار ورد الفعل، بما يسهم في تفكيك الكثير من الإشكاليات السياسية والحقوقية.

الحرفان في الكلمتين قد يتشابهان، لكن المعنى بينهما متباعد كالمسافة بين الصمود والانكسار. التوازن يحفظ الحق، والتنازل يبدده.
ميزان الأوطان لا يُبنى بالصوت الأعلى، بل بالكلمة الأدق… تلك التي تُقال في وقتها، وتبقى بعده.


لو حابب كمان أظبطه لك جاهز نشر ووردبريس 100% (بنط + أحجام + توزيع مثالي) قولّي وهنخرجه بشكل احترافي جدًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى