مصر

د.محمد عماد صابر يكتب: خريف الأساطير.. هندسة السيادة من ركام الهيمنة!

ليس التاريخ نهراً وادعاً كما يتوهمه العابرون، بل هو مخاضٌ عسير لزلازل صامتة تتراكم في أحشاء الإمبراطوريات حتى تبلغ “لحظة الحقيقة”. واليوم، ونحن نرقب أفول شمس القطبية الواحدة، لا نشهد مجرد انسحاب عسكري أو تراجع دبلوماسي، بل نرى تصدعاً بنيوياً لنظامٍ ظن يوماً أنه “نهاية التاريخ”، فإذ بالتاريخ يستيقظ ليخط فصلاً جديداً بمداد من غبار صراعات الشرق وتهاوي عروش الدولار.
لقد تكسّر نصل “الردع المطلق” على صخرة الواقع الجديد؛ حيث تسربت أسرار القوة من يد المحتكر الذي ظن التقنية حكراً على جيناته، إلى يد “المستضعف المتمكن”. فلم تعد الهيبة تُقاس بضخامة الميزانيات، بل بذكاء الابتكار الذي أذل كبرياء حاملات الطائرات، معلناً ولادة أمنٍ إقليمي يُصاغ بقرارٍ ذاتي، لا وصاية فيه لغريب ولا ارتهان لبعيد.
وفي الرواق المالي، تشهد “الإمبراطورية الورقية” خريفها الأخير؛ فالدولار الذي كان “سوطاً” للعقوبات، بات يحترق بنيران التضخم والديون، ليهرب العالم نحو “الأصول الحقيقية” وفضاءات الأقطاب الشرقية الصاعدة. إنها لحظة الانتقال من “اقتصاد الصكوك” إلى “اقتصاد الصمود”، حيث لا سيادة لمن يرتعد قراره خلف شاشات البورصة، بل لمن يربط ثروات أرضه بقرار عقله.
بيد أن الأخطر من ضربات الخارج وأشد فتكاً من تمرد الأطراف هو “الوهن الداخلي” الذي ينخر في عصب القوة المركزية. فبينما تحاول واشنطن جاهدةً إطفاء الحرائق المشتعلة في أطراف العالم المترامية، تشتعل نيران الاستقطاب في ثيابها الداخلية، مهددةً بتآكل الهيكل من القواعد. إن الانقسام السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة قد تجاوز حدود الاختلاف التقليدي ليصل إلى مرحلة “الانسداد الوجودي”؛ حيث باتت المؤسسات الدستورية العريقة أعجز من أن ترمم شرخاً مجتمعياً غائراً يلوح في أفقه القاتم شبح الصدام الداخلي المرير.
بيد أن الاستشراف لا يكتمل بالرصد وحده، بل بامتلاك الجرأة على “الهندسة الذاتية”؛ تلك التي تحول الانكشاف الاستراتيجي إلى حصنٍ سيادي منيع عبر مساراتٍ إجرائية حاسمة;

أولاً: التموضع المرن؛ بمغادرة مربع “التبعية الدائمة” نحو “الندية الوظيفية”، وتنويع الشركاء في الفجر الأوراسي الصاعد، ليكون العرب شركاء في صياغة القواعد لا مجرد ساحة لتصادم الأغيار.

ثانياً: التحرر المالي؛ بفك الارتباط العضوي بالعملة الآفلة، وتشييد منصات تبادلٍ بينية ترتكز على القيمة الحقيقية للموارد، حمايةً لمدخرات الشعوب من الارتطام الكبير.

ثالثاً: توطين البقاء؛ بإدراك أن رغيف الخبز، والمسيرة السيادية، والشفرة الرقمية، هي أضلاع مثلث الوجود؛ فمن لا ينتج سلاحه يظل رهينة لقرار “المزوّد”، ومن لا يملك بذور أرضه يظل قراره معلقاً بموانئ الآخرين.

إن هذا الانكفاء الإمبراطوري يترك فراغاً جيوسياسياً هائلاً، هو في جوهره “صافرة إنذار” أخيرة: فإما أن نملأ هذا الفراغ بـ “كتلة سيادية عربية” تملك ناصية العلم وتحمي بياناتها بخوارزميات وطنية، أو نظل بانتظار “سيد جديد” يملأ فراغنا بمداد مصالحه.
لقد غربت شمس الوصاية، وبزغت فرص الاستقلال؛ والتاريخ، في تقلباته الكبرى، لا يرحم المترددين الواقفين على أعتاب الانتظار، ولا يلتفت لمن يخشون مغادرة عباءة الوصاية الآفلة؛ لكنه يفتح أبوابه مشرعةً، وبكل إجلال، لأولئك الذين يملكون نفاذ البصيرة ليقرؤوا خيوط الفجر قبل انبثاقه، ويستعدون بـ “هندسة سيادية” استباقية لعالمٍ متعدد الأقطاب، لا يُدار بـ “إملاءات القوة الواحدة”، بل بـ “توازن المصالح الشجاع” وعزة السيادة الوطنية المطلقة.

إن هذا العقد القادم هو ميدان الاختبار الأخير؛ فإما أن نكون شركاء في صياغة القواعد الجديدة “لـلعصر الجديد” والتبادل القاري، أو نظل مجرد صدىً لصراعات الآخرين. إن السيادة اليوم ليست ترفاً، بل هي “شرط بقاء” في غابة دولية لا تحترم إلا من يملك مفاتيح غذائه، وسر دوائه، وشفرة أمنه الرقمي. إن الفجر قد بزغ، والقرار الآن هو قرار الإرادة: فهل نخط بمداد عزتنا فصلاً جديداً في كتاب التاريخ، أم نكتفي بدور المتفرج في مشهد الأفول الكبير؟

 

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى