
حين قرّر جورج بوش الابن غزو العراق وأفغانستان، لم يقدّم ذلك كحرب مصالح تقليدية، بل كاستجابة لنداء أخلاقي شبه ديني؛ مهمة لـ”هزيمة الشر” ونشر الخير. هكذا وُلد تعبير “محور الشر”، الذي جمع دولًا متباعدة كالعراق وأفغانستان وكوريا الشمالية ضمن سردية تبسيطية، تُحوّل الجغرافيا السياسية إلى معركة بين النور والظلام.
بعده بسنوات، حاول دونالد ترامب أن ينأى بنفسه عن هذا الخطاب، مقدّمًا نفسه كرجل صفقات لا رجل عقائد. في مقاربته لإيران، طغت لغة المصالح: النفط، النفوذ، والهيمنة الاقتصادية. لكن هذا الابتعاد لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما ظهرت الحاجة إلى غطاء أيديولوجي يُخاطب الداخل الأميركي، ولو عبر تلميحات رمزية تستحضر صدامات حضارية، في تناقض واضح مع تحالفاته في الخليج، مهد الرسالة الإسلامية.
ليست هذه مفارقة استثنائية. فحتى جوزيف ستالين، الذي قاد واحدة من أكثر الأنظمة إلحادًا في التاريخ، لجأ خلال الحرب العالمية الثانية إلى استدعاء الكنيسة الأرثوذكسية، مُعلنًا ما يشبه “الجهاد المقدس” في مواجهة النازية. هكذا تزاوجت الشيوعية مع الهوية الدينية في لحظة خطر وجودي، لتؤكد أن الأيديولوجيا ليست ثابتًا عقائديًا بقدر ما هي أداة تعبئة.
الأيديولوجيا، إذًا، ليست محركًا وحيدًا للحروب، بل غالبًا ما تكون لغتها. هي السردية التي تُقدَّم للجماهير، لا العلة العميقة للقرار. في الحرب الباردة، بدا الصراع كأنه بين “الحرية” و”الشيوعية”، بينما كان في جوهره صراع نفوذ وتوازن قوى. وفي الشرق الأوسط اليوم، يُختزل كثير من التعقيد في توصيفات من نوع “أيديولوجيا شيعية”، وكأن الدول تتحرك بدافع عقائدي صرف.
هذا التفسير مريح، بل أنيق، لأنه يمنح العالم معنى بسيطًا. لكن بساطته هي مكمن خطورته. فالإنسان يميل إلى تفسير الواقع ضمن حدود ما يعرفه. وعلى مدى عقود، أُنتجت أجيال كاملة من الباحثين لا ترى في المنطقة سوى صراع “الإسلام السياسي”. وكما يقول المثل: من يملك مطرقة، يرى كل شيء مسمارًا. وهكذا، تتحول الأيديولوجيا إلى عدسة وحيدة، تُختزل عبرها كل الظواهر.
لا يعني ذلك أن الأيديولوجيا وهم. هي موجودة، لكنها مُبالغ في تقديرها. فحين نراقب سلوك الدول، لا خطاباتها، نجد أن المحرك الحقيقي هو القلق: قلق البقاء، وقلق اختلال التوازن، وقلق فقدان القوة. الدول لا تُخاطر بوجودها من أجل فكرة، بل تستخدم الفكرة لتبرير المخاطرة.
انهيار تفكك الاتحاد السوفيتي لم يكن هزيمة أيديولوجية صِرفة، بل نتيجة تراكمات اقتصادية وبنيوية وسياسية. وإيران لم تخض حربها مع العراق بدافع عقائدي خالص، كما أن شراكاتها الدولية تُبنى على حسابات المصالح لا على وحدة الفكر.
الأمر ذاته يتكرر في تجارب معاصرة. فـالصين، التي تُعرّف نفسها كدولة شيوعية، تدير واحدة من أكثر الاقتصادات انخراطًا في الرأسمالية العالمية. خطابها الأيديولوجي ثابت ظاهريًا، لكن سلوكها الخارجي تحكمه حسابات التجارة، وسلاسل الإمداد، والسيطرة على الممرات البحرية، من بحر الصين الجنوبي إلى مبادرة “الحزام والطريق”.
وفي الحرب الدائرة في أوكرانيا، يُقدَّم الصراع أحيانًا كمعركة بين الديمقراطية والاستبداد، أو بين الغرب وروسيا ذات النزعة القومية. لكن خلف هذه العناوين، تقف اعتبارات أكثر صلابة: توسع حلف شمال الأطلسي، الأمن القومي الروسي، وموازين الردع في أوروبا الشرقية. الأيديولوجيا هنا تُستخدم لتعبئة الرأي العام، لكنها لا تختزل حقيقة الصراع.
أما في حالة إسرائيل، فيُقدَّم الصراع غالبًا بلباس ديني أو هوياتي، سواء من منظور “أرض الميعاد” أو من منظور المواجهة العقائدية. غير أن قراءة أعمق تكشف شبكة معقدة من حسابات الأمن، والتفوق العسكري، والتحالفات الدولية، وإدارة الصراع بما يخدم استمرارية الدولة وتفوقها في بيئة معادية.
في المحصلة، الأيديولوجيا ليست سوى قناع. قد يكون ضروريًا، وقد يكون فعالًا، لكنه يظل قناعًا. أما الوجه الحقيقي للحروب، فهو أبسط وأكثر قسوة: صراع على القوة، والخوف، والبقاء.







