تحديات البقاء والمصير المجهول لسكان القرى الحدودية في ظل التصعيد العسكري الأخير بقطاع جنوب لبنان

تواجه مناطق جنوب لبنان تحولات ميدانية متسارعة تسببت في نزوح نحو 30 ألف شخص خلال الساعات الأولى التي تلت إطلاق الصواريخ عبر الحدود في مطلع شهر مارس الماضي، وتزامن هذا التحرك مع إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء واسعة شملت قرى عديدة في العمق الجنوبي، حيث توغلت القوات لمسافة وصلت إلى ستة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وتدور حاليا اشتباكات عنيفة تتركز في محاور عدة على امتداد منحدرات الجبهة الجنوبية لصد محاولات ترسيخ المواقع العسكرية، وتسببت هذه العمليات في تهجير شبه كامل للمناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني التي تكبدت أشد الأضرار المادية والبشرية خلال الأسابيع الأخيرة
تتصاعد الصعوبات المعيشية في القرى التي يرفض سكانها المغادرة رغم مرور شهر على اندلاع المواجهات التي أدت لمقتل 1400 شخص وإصابة ما يزيد على أربعة آلاف آخرين، وتتعرض التلال المحيطة ببلدات دبل وكفرشوبا ورميش لغارات جوية مكثفة تجعل الطرق محفوفة بالمخاطر، وتعاني بلدة دبل تحديدا من حصار يؤثر على 1600 مواطن يعجزون عن الوصول إلى آبار المياه الواقعة على أطراف البلدة أو تأمين الغذاء، وتعمل البلديات المحلية في تلك المناطق على محاولة توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية من كهرباء وأدوية ومستلزمات طبية في ظل قيود جغرافية وعسكرية تفرضها طبيعة المواجهة الميدانية الحالية بالقطاع الأوسط
تمركز القوات الإسرائيلية والوضع الميداني في القطاعين الشرقي والأوسط
تشهد قرية كفرشوبا في قضاء حاصبيا بالقطاع الشرقي تمسك نحو 130 عائلة بالبقاء في منازلهم رغم المداهمات المتكررة التي تنفذها القوات الإسرائيلية والتي تشمل اقتحام البيوت وإلحاق أضرار بالممتلكات، وتعتبر بلدة حاصبيا المورد الرئيسي للسلع والخدمات لقرى العرقوب التي تضم كفرحمام وشبعا وراشيا الفخار، بينما يظل التحرك نحو الجهة الغربية متعذرا بسبب القتال المستمر في بلدة الخيام، وقد تلقت السلطات المحلية في كفرشوبا والهبارية تحذيرات عسكرية واضحة بضرورة إخلاء المنطقة في حال رصد أي تحركات لمجموعات مسلحة، وهو ما دفع بعض القرى الحدودية لمطالبة النازحين بالمغادرة لتجنب الاستهداف المباشر لمنازل المدنيين
تسيطر القوات الإسرائيلية حاليا على أكثر من نصف مساحة بلدة دبل التي تبلغ 13 كيلومترا مربعا حيث تتمركز القوات على الأطراف وتنفذ عمليات تفجير للمنازل شملت 11 منزلا يوم الأربعاء الماضي، ويهدف التحرك العسكري في هذا المحور للالتفاف حول بلدة بنت جبيل ذات الأهمية الاستراتيجية عبر التوغل في قرى بيت ليف وقوزح ورشاف، ويواجه السكان المحاصرون في وسط دبل أزمة حادة في الوقود والخدمات العامة مع انقطاع الإنترنت وتوقف المستشفيات، بينما انسحب الجيش اللبناني من البلدة في 25 مارس الماضي، وتقتصر المساعدات الواصلة حاليا على شحنات محدودة من الصليب الأحمر بالتنسيق مع الآلية الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار
الحالة الأمنية ودور المؤسسات الرسمية في المناطق الحدودية
يسعى المسؤولون المحليون في بلدة رميش بالقطاع الغربي لضمان وجود عناصر من الجيش اللبناني حيث يتمركز نحو 50 جنديا داخل العيادة العسكرية بالبلدة رغم إخلاء نقاط التفتيش، وتعتمد رميش على مساعدات المنظمات الدولية لتأمين الأدوية لآلاف السكان الذين لم يغادروا منذ أكتوبر 2023، وتطالب الفعاليات المحلية بتأمين ممر آمن عبر الصليب الأحمر تحسبا للطوارئ خاصة بعد استهداف مركبة مدنية في 28 مارس الماضي أسفر عن مقتل شخصين، وتؤكد التقارير الميدانية أن غياب العتاد اللازم حال دون دخول الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة، مما أدى لإعادة تموضعه في مواقع داخلية بقطاعات شبعا وكفرشوبا لتقليل الخسائر البشرية
تستمر العمليات العسكرية في التوسع لتشمل محاور الخيام والقنطرة ودير سريان في القطاع الشرقي وصولا إلى البياضة وشمع والناقورة في القطاع الساحلي، ورصدت التقارير مقتل ثلاثة من عناصر قوات اليونيفيل من الجنسية الإندونيسية في 30 مارس الماضي جراء هجمات طالت مواقعهم، وتعاني هذه القرى من تعطل كامل لمصادر الرزق في الزراعة والرعي بسبب القصف المستمر للأراضي المفتوحة، وتصف المصادر المحلية المشهد الحالي بضعف حضور سلطة الدولة في ظل تصاعد الغارات العشوائية التي تطال العاملين في المجالات الطبية والصحفية، ويصر من تبقى من السكان على البقاء في أراضيهم رغم انعدام الخدمات وتزايد التهديدات العسكرية المباشرة بوسط وجنوب لبنان







