حامي حياض الأزهر ورائد إصلاحه الإمام محمد الأحمدي الظواهري في ذكرى ميلاده

تحل اليوم ذكرى ميلاد قامة إسلامية شامخة وعالم جليل أفنى حياته في خدمة الدين وتطوير المؤسسة الدينية العريقة وهو الإمام محمد الأحمدي الظواهري الذي تولى مشيخة الأزهر في مرحلة تاريخية فارقة ، ويمثل الأحمدي الظواهري نموذجاً للعالم المصلح الذي لم يخشَ في الحق لومة لائم حيث وقف سداً منيعاً أمام محاولات طمس هوية الأزهر أو إلحاقه بالتبعية الإدارية التي تفقد استقلاليته ، وولد هذا الإمام النابغة في عام ألف وثمانمائة وثمانية وسبعين ميلادية بقرية كفر الظواهري التابعة لمحافظة الشرقية لأسرة علمية عريقة توارثت مشيخة المعهد الأحمدي بطنطا وعلوم الشريعة ، واستطاع الأحمدي الظواهري أن يجمع بين الأصالة المعاصرة متأثراً بمدرسة الإمام محمد عبده الإصلاحية مما جعله يؤمن بضرورة تطوير المناهج الأزهرية لتواكب روح العصر مع الحفاظ على الثوابت الراسخة ، وتعتبر مسيرته العلمية والقيادية ملحمة من الصمود والإنجاز حيث تدرج في المناصب من تدريس أمهات الكتب بمعهد طنطا وصولاً إلى القمة في مشيخة الجامع الأزهر الشريف عام ألف وتسعمائة وتسعة وعشرين ميلادية.
النضال من أجل استقلال الأزهر ومواجهة مخططات الضم والتبعية
خاض الإمام محمد الأحمدي الظواهري معارك فكرية وسياسية كبرى للحفاظ على كيان الأزهر واستقلاله عن نفوذ وزارة المعارف في عشرينيات القرن الماضي ، وبدأ الأحمدي الظواهري مواجهته التاريخية حين اعترض بقوة على مقترح لجنة إسماعيل صدقي باشا التي طالبت بضم الأزهر للوزارة مؤكداً أن استقلال الجامع الأزهر هو الضمانة الوحيدة لبقاء النفوذ الديني الوطني بعيداً عن أطماع دول الاستعمار ، واستطاع بذكائه وحجته القوية إقناع الملك فؤاد بخطورة هذا التوجه مما أدى إلى وأد الفكرة في مهدها والحفاظ على المكانة التاريخية للأزهر كمرجعية إسلامية عالمية مستقلة ، ولم يكتفِ الإمام بالدفاع عن الكيان بل عمل على تنظيم البناء الداخلي فأطلق اسم الجامع الأزهر على كليات التعليم العالي وأنشأ مجلة “نور الإسلام” التي تعرف اليوم بمجلة الأزهر لتكون لسان حال الفكر الوسطي المستنير ، وتجلى دوره الوطني في إدارة ملف الخلافة الإسلامية بحكمة بالغة جنبت البلاد والمنطقة انقسامات سياسية لا تحمد عقباها في توقيت كان العالم الإسلامي يعاني فيه من تداعيات إلغاء الخلافة العثمانية.
مسيرة الإصلاح الشامل وأسباب الاستقالة التاريخية للإمام الظواهري
أحدث الإمام الأحمدي الظواهري ثورة إدارية وتعليمية داخل المعاهد الدينية والكليات الأزهرية من خلال تعديل المناهج ودمج العلوم الحديثة ضمن إطار الدراسة الشرعية ، ونجح الأحمدي الظواهري في إلغاء مدرسة القضاء الشرعي وتجهيزية دار العلوم لتركيز الجهود داخل كليتي الشريعة واللغة العربية التابعتين للأزهر مما عزز من جودة المخرج التعليمي الأزهري وقوته ، ومع تصاعد التيارات الحزبية والسياسية التي حاولت التدخل في شؤون المشيخة وجد الإمام نفسه محاصراً بجو خانق يعيق استكمال مشروعه الإصلاحي الذي خطه في كتابه الشهير “العلم والعلماء” ، وقرر الإمام بكل شجاعة ونزاهة تقديم استقالته من منصب مشيخة الأزهر في السادس والعشرين من شهر أبريل لعام ألف وتسعمائة وخمسة وثلاثين ميلادية إعلاءً لقدر المنصب وترفعاً عن الصراعات السياسية الضيقة ، ورحل الإمام الأحمدي الظواهري عن عالمنا في عام ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين ميلادية تاركاً خلفه مؤسسة قوية قادرة على الصمود ونهجاً إصلاحياً يدرس حتى يومنا هذا.







