د. حسام بدراوي يكتب: التخلّي عن الذات… فن النجاة في عالم لا يشبهك
قصة قصيرة "حين تصبح النجاة ثمنًا للوجود"

كانت «أفكار» تميل، منذ زمن، إلى ما وراء الأشياء. لا تتوقف عند ما يُقال، بل تنشغل بما يتوارى خلفه، بما يختبئ في المسافات الصامتة بين الكلمات، وفي ما اعتدناه حتى فقدنا القدرة على التساؤل عنه.
حين دُعيت إلى مشاهدة مونودراما «بيتر الأحمر» المستوحاة من “تقرير إلى الأكاديمية” لفرانز كافكا (أبريل 1917)، لم ترها عرضًا عابرًا، بل مدخلًا إلى سؤال قديم، يتخذ في كل مرة شكلًا جديدًا: كيف يمكن للإنسان أن ينجو… دون أن يخسر نفسه؟
جلست في القاعة، لكن حضورها كان موزعًا بين زمنين: زمن العرض الذي على وشك أن يبدأ، وزمن آخر أعمق، يعود إلى نص كافكا، إلى ذلك القرد الذي لم يختر أن يصبح إنسانًا، بل دُفع إلى ذلك لأنه لم يجد مخرجًا آخر.
في قراءتها الأولى، بدا النص كحكاية غريبة، مشوبة بسخرية قاتمة. لكن مع كل عودة إليه، كانت طبقة جديدة تنكشف، حتى لم يعد ممكنًا النظر إليه كقصة عن قرد، بل كمرآة دقيقة للإنسان حين يُجبر على إعادة تشكيل ذاته كي يُقبل.
وعلى خشبة المسرح، لم يكن هناك قرد بالمعنى البسيط للكلمة. كان هناك كائن يقف أمامنا، يتكلم بلغتنا، يتحرك بإيقاعنا، لكنه يحمل في داخله أثر ما كان عليه، أثرًا لا يُرى، لكنه لا يختفي.
وهنا بدأ السؤال يأخذ مكانه داخلها، بهدوء لا يقل إلحاحًا: ماذا يعني أن تتخلى عن طبيعتك… كي تعيش؟ وأين ينتهي التكيّف، ويبدأ الفقد؟
السؤال الذي طرحه العرض، ويطرحه كافكا، لم يبقَ على مستوى الفكرة، بل تمدّد داخلها، كشيء لا يمكن تجاهله: ماذا يعني أن تتخلى عن طبيعتك لتنجو؟ ومتى يتحول التكيّف من وسيلة للبقاء… إلى فقد لا يمكن استعادته؟
كانت الفكرة، في ظاهرها، بسيطة: التحول كشرط للنجاة. لكنها، كلما تأملتها، بدت أكثر قسوة.
بيتر الأحمر لم يبدأ رحلته من اختيار، بل من قفص. على متن سفينة تجارية، بعد أن أُصيب برصاصة في فخذه، وجد نفسه محاصرًا بين موت محتمل… وحياة لا تشبهه. في تلك المسافة الضيقة بين الاثنين، أدرك ما لم يكن يمكن إدراكه من قبل: الحرية التي عرفها لم تعد ممكنة، وأن النجاة، إن أرادها، تمر عبر طريق واحد فقط: التقليد.
لكن التقليد هنا لم يكن سطحًا يمكن ارتداؤه، بل اقتلاعًا بطيئًا. تعلّم أن يمشي على قدمين. أن يرفع الكأس إلى فمه، حتى وهو يتقيأ. أن ينطق كلمات لا يعرف إن كانت تعنيه. أن يرتدي بدلة لا تشبه جسده. ومع كل خطوة… كان يترك شيئًا خلفه.
لم يكن كافكا يقول إن التكيّف خطأ. بل كان يضعنا أمام ثمنه. ثمن لا يُقاس بما يُكسبه الإنسان، بل بما يفقده: ذاكرة تتلاشى، غريزة تخفت، وكائن كان يومًا هو… لم يعد كذلك.
وحين وصل بيتر إلى نهايته، إلى تلك النقطة التي يُسمّيها العالم «نجاحًا»، لم يعد قادرًا، أو لم يعد راغبًا، في أن يتذكر ما كانه. كان التحول قد اكتمل، إلى الحد الذي صار فيه الماضي… غريبًا.
وهنا، فقط، يظهر الرعب الحقيقي: ليس في الفشل… بل في النجاح التام.
لم تكن «أفكار» تنظر إلى بيتر باعتباره شخصية بعيدة. كانت ترى فيه سؤالًا يتكرر، بصور مختلفة، في كل زمان. حرية تُدفع ثمنًا. واختيارًا لا يبدو اختيارًا.
تذكّرت ما كان يمكن أن يقوله سارتر: إن الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا. لكن ما لم يُقال بصوت عالٍ أنه محكوم أيضًا… أن يدفع ثمن هذه الحرية.
في عالم لا ينتظر، ولا يرحب بما لا يفهمه، ولا يقبل إلا ما يشبهه، يصبح التكيّف، أحيانًا، ليس قرارًا… بل اضطرارًا.
لكن العالم الذي طُلب من بيتر أن يتكيّف معه، لم يكن عالمًا محايدًا. كان عالم «الأكاديمية»: عالم المؤسسة، الثقافة المهيمنة، والقواعد التي لا تُقال لكنها تُفرض. لم يكن مطلوبًا منه أن يكون نفسه، بل أن يصبح نسخة يمكن قبولها، أن يكون «شبه إنسان». وهذا، في جوهره، لم يكن اندماجًا… بل استيعابًا.
وفي قراءة العرض كما قدمته «الورشة» في السياق المصري، لم يعد بيتر مجرد قصة، بل أصبح مرآة. مرآة يمكن أن يرى فيها أي فرد، أو أي مجتمع، نفسه، وهو يواجه ضغطًا خفيًا لما يُسمى: التحضر، أو الحداثة، أو العولمة.
كم من الأشياء التي تخلّى عنها الناس… دون أن يلاحظوا؟ لغة خفَتت، لهجة اختفت، قيم تراجعت، وذاكرة لم تعد تُستدعى إلا نادرًا. ليس لأنهم أرادوا ذلك، بل لأنهم أرادوا أن يُقبلوا.
هنا لم يعد السؤال نظريًا: متى يصبح التكيّف خيانة للذات؟ ومتى يكون مجرد ذكاءٍ للبقاء؟
العرض لم يُجب. لم يُدن بيتر، ولم يُبرّره، بل ترك السؤال معلقًا، لكنه موجّه إلينا نحن.
هل يمكن أن نكون، دون أن ننتبه، نسخًا مروّضة من أنفسنا؟ نرتدي ما يُنتظر منا، ونتحدث بلغة لا تخصنا، ونقنع أنفسنا… أننا اخترنا؟
“أيها السادة الأعزاء في الأكاديمية…“ بهذه الكلمات يبدأ بيتر روايته. كان صوته هادئًا، مضبوطًا، يكاد يخلو من الارتباك. يروي كيف تعلّم، وكيف فشل، وكيف تقيأ، ثم كيف استمر… حتى نجح.
ضحكٌ يتسلل إلى القاعة، لكنه لا يبقى خفيفًا. سرعان ما يتحول إلى سؤال ثقيل: على ماذا نضحك… بالضبط؟
العرض لا ينتهي بانتصار بيتر، بل بانتصار السؤال. يخرج الجمهور، لا يحمل إجابة، بل شيئًا أصعب: شك. هل النجاح دائمًا يتطلب فقدًا؟ هل يمكن النجاة دون تخلٍّ؟ أم أن الإنسان، في طريقه إلى أن يصبح مقبولًا، يتعلم—بالضرورة—كيف يتخلى؟
السؤال لا يبقى على المسرح. ينتقل، ويستقر، بهدوء، داخل كل واحد منا.
هنا تبدأ القصة.
في ديترويت، بولاية ميشيجان بالولايات المتحدة.
لم يكن اسم الأب «بيتر» هو اسمه الأول. كان اسمه، في شهادة ميلاده، «بشير». لكن، منذ ثلاثين عامًا، حين وطأت قدماه أرض أمريكا، ترك اسمه القديم خلفه، كما يترك المسافر حقيبة لا يريد أن تُثقله.
لم يكن القرار بسيطًا كما بدا في لحظته. لم يكن مجرد تغيير اسم، بل بداية حياة تُبنى على مسافة من كل ما سبق. قال لنفسه يومها، بصوت لا يخلو من إصرار: سأبدأ من جديد.
ومضت السنوات.
وتحوّل بشير إلى بيتر، لا في الاسم فقط، بل في الإيماءات، وفي طريقة الكلام، وفي ضحكته التي صارت أقصر، وأكثر تحفظًا، كأنها تمر عبر ميزان غير مرئي.
أما «أفكار»، زوجته، فلم تكن ترى التحول بنفس البساطة. لم تحاول أن تختار بين عالمين، بل عاشت بينهما دون أن تنقسم. في البيت، كانت تطبخ الملوخية، وتُصر على أن تُقال الكلمات بلغتها الأولى. وفي الخارج، كانت «فيفي»، تبتسم للجيران، وتشارك في حفلات الشواء، دون أن تشعر أنها تتخلى عن شيء.
أما الأبناء الثلاثة، فكانوا، كلٌ بطريقته، إجابة مختلفة على السؤال نفسه.
الأول اندمج حتى اختفى السؤال، وصار أمريكيًا حتى في أحلامه، يفكر بالإنجليزية، ويضحك على نكات لا يفهمها والداه.
الثانية تعلّمت العبور بين العالمين، كمن يعرف خطوات الجسر جيدًا.كانت مثل أمها.
أما الثالث، فلم يستطع أن يختار.
لم يكن رافضًا، ولم يكن ضائعًا بالمعنى البسيط. لم يرفض المجتمع الغربي، لكنه لم يستطع أن ينتمي إليه.
ولم يعد مصريًا، كان يشعر أنه يعيش في منطقة لا اسم لها. كان يرى أكثر مما ينبغي… وكان هذا، في حد ذاته، عبئًا.
حين جلس أمام الطبيب النفسي، لم يحتج إلى شرح طويل. قال جملة واحدة: “أنا لا أعرف من أنا“.
صمت الطبيب لحظة، ثم نظر إلى الأب، لا إلى الابن، وسأله بهدوء: من أنت؟
أجاب الأب بسرعة، كما لو أنه حفظ الإجابة منذ زمن: أنا أستاذ في جامعة ميشيجان… أمريكي الجنسية.
توقف الطبيب قليلًا، ثم أعاد السؤال: ومن كنت؟
هذه المرة… لم تأتِ الإجابة.
في طريق العودة، كان الصمت أثقل من أي حوار. الابن ينظر من النافذة، والأب ينظر إلى الطريق، لكن كليهما كان يرى ما لا يُرى. الابن يرى فراغًا لا ينتمي إليه، والأب يرى ماضيًا ظن أنه تجاوزه… فإذا به يظهر في وجه ابنه.
في تلك الليلة، دخل الأب غرفة ابنه دون أن يطرق الباب. لم يكن يبحث عن شيء محدد، لكن عينه وقعت على ورقة، موضوعة على المكتب، كأنها تُنتظر أن تُقرأ.
“هل يمكن للإنسان أن يعيش بنصف روح؟ نصف هنا… ونصف هناك؟ أم أن الروح، إن انقسمت… ضاعت؟“
جلس الأب ببطء، كما لو أن الكلمات أثقل مما تبدو. وللمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا، لم يكن «بيتر». كان «بشير».
ومن هنا بدأت رحلة مختلفة. لم تكن رحلة علاج الابن، بل رحلة استعادة الأب لنفسه.
لم يكن الطبيب مهتمًا كثيرًا بما يقوله الابن، بل بما لا يقوله الأب.
في الجلسة الثانية، طلب الطبيب أن يأتي الأب وحده. جلس «بيتر» بثقة رجلٍ اعتاد أن يتحكم في صورته أمام الآخرين. ظهره مستقيم، وصوته مضبوط، كأن كل شيء فيه محسوب.
قال الطبيب، دون مقدمات طويلة: ابنك لا يعاني من اضطراب. ثم أضاف: ابنك يعاني من فراغ… وهذا الفراغ ليس له.
ارتبك الأب، للحظة قصيرة فقط، ثم عاد إلى منطقه المعتاد: أنا وفّرت له كل شيء. تعليم، حياة مستقرة، مستقبل… ماذا ينقصه؟
نظر إليه الطبيب، كما لو أنه لا ينظر إلى كلماته، بل إلى ما خلفها، وأجاب: “الجذور“.
لم يغضب الأب، لكنه شعر بشيء يشبه الوخز. كلمة يعرفها… لكنه لم يعد يعرف معناها وكيف يستخدمها.
عاد إلى البيت، دخل مكتبه، وأغلق الباب. فتح درجًا لم يفتحه منذ سنوات.
صورة قديمة.
شاب يقف أمام نيل هادئ، يبتسم بثقة مختلفة—بلا بدلة، بلا اسم مستعار.
بشير.
في الأيام التالية، لم يثر الابن ضجيجًا. لم يعترض. لم يجادل. لم يحاول حتى أن يشرح. وهذا… كان أكثر ما أقلق الأم.
قالت لزوجها، بصوت خافت: ابنك لا يضيع… هو ينسحب.
في جلسة أخرى، سأل الطبيب الابن: متى بدأت تشعر أنك غريب؟
فكر طويلًا، كما لو أنه يبحث عن بداية لا يملكها بوضوح، ثم قال: كل شيء بدأ في المدرسة… كنا ندرس علم المصريات.
توقف، ثم أضاف: لم أتخيل أنني سأتأثر. وجدت نفسي فخورًا… دون أن أفهم لماذا.
صمت لحظة، ثم أكمل: لم نزر مصر إلا مرة واحدة. حين مات جدي. ومع ذلك… شعرت أن هناك شيئًا يربطني بها. شيء… لا أعرفه.
رفع عينيه، وقال بهدوء: في البيت، لا نتحدث عن مصر كثيرًا. إلا أمي.
ثم نظر إلى أبيه، للمرة الأولى بشكل مباشر: أشعر أنني لا أشبهه. وهو لا يشبهني. ولا يريد أن يشبهني.
في تلك الليلة، لم يكن هناك مفر.
قال الابن، بصوت منخفض… لكنه قاطع: هل تخجل من نفسك… ومن أصلك يا والدي؟
انفجر الأب. ليس غضبًا فقط، بل دفاعًا: أنا صنعت نفسي. وما نحن عليه الآن… هو ما سيصنع مستقبلك.
لكن الابن لم يرفع صوته. قال بهدوءٍ أكثر إيلامًا من أي صراخ: لا… أحيانًا أشعر… أنك محوت نفسك.
الصمت الذي تلا الجملة لم يكن فراغًا، بل اعترافًا مؤجلًا.
لأول مرة، لم يجد الأب ردًا. ليس لأنه لا يملك الكلمات… بل لأنه يعرف، في مكانٍ ما داخله، أنها صحيحة.
حين غادر بشير مصر، لم يكن يبحث عن فرصة فقط. كان يهرب. من ظلمٍ لم يستطع تحمله، ومن شعورٍ بالإهانة لم يجد له تفسيرًا. كان من الأوائل على دفعته. وعُيّن نائبًا في تخصص النساء والتوليد.
لكن هناك… كان هناك ما لا يُقال. قاعدة غير مكتوبة. باب يُفتح للبعض… ويُغلق لآخرين. كان القسم، على الرغم من أن من أسسه هو الدكتور نجيب محفوظ، ومازال متحفه هو الأعظم في الطب، لا يقبل أن ينضم إليه مسيحيون في هيئة التدريس.
هناك أدرك بشير الحقيقة كاملة، لا نقص فيه .. ولا قصور في كفاءته، بل شيء آخر، لا يُعلن .. لكنه يحكم. شعر بالظلم، وشعر، أكثر من ذلك، بالإهانة.
وحين أدرك أنه لن يُقبل، لا لشيء إلا لما هو عليه، اتخذ قراره: أن يرحل. وألا يعود. قرر الهجرة وعدم العودة إلى مصر أبدًا.
لكن الرحيل لم يكن خروجًا فقط من مكان. كان خروجًا… من نفسه.
بدأت أشياء غريبة تحدث له. أرق. توتر بلا سبب واضح. نفور من أماكن اعتادها.
وفي إحدى الليالي… رأى حلمًا. كان يسير في شارع قديم في القاهرة. الأصوات مألوفة، والهواء يعرفه.
سمع صوتًا يناديه: يا بشير.
التفت. لم يجد أحدًا.
نظر إلى يده… فوجدها تمسك بيد طفل.
وحين نظر إلى وجه الطفل… كان ابنه. لكن بملامحه هو.
استيقظ. ولم يعد النوم كما كان.
في الجلسة التالية، لم يتحدث الابن. تحدث الأب.
قال، بصوت لم يعتده على نفسه: أنا خائف.
سأله الطبيب: من ماذا؟
أجاب، بعد تردد: أن أكون قد أنقذت نفسي… وأضعت ابني.
ابتسم الطبيب، ابتسامة لا تحمل حكمًا، بل وضوحًا: أنت لم تنقذ نفسك. أنت غيّرت جلدك. لكن جلد الإنسان… ليس هويته.
وهنا… بدأت الرحلة الحقيقية.
لم يعد الهدف أن “يتأقلم” الابن، بل أن “يتصالح” الأب.
بدأ الأب يتحدث بالعربية في البيت… بتردد. كان يتوقف أحيانًا، يبحث عن كلمة نسيها، ثم يضحك، ضحكة مختلفة، أقل حذرًا، كأنها لا تمر عبر ميزان.
يحكي عن قريته، عن أمه، عن خوفه يوم السفر. لم يكن يحكي ليُقنع، ولا ليُبرر، بل ليعترف.
وفي إحدى اللحظات، قال الابن: أنا لا أريد أن أعود إلى مصر… أنا فقط أريد أن أعرف من أين جئت.
نظر إليه الأب طويلًا، كما لو أنه يرى السؤال للمرة الأولى. ثم قال، بهدوء لم يكن يعرفه في نفسه: وأنا أيضًا.
لم تعد القصة قصة شاب ضائع بين عالمين، بل قصة أبٍ وابن… يبحثان معًا.
لم تكن الهوية شيئًا يُستعاد كما هو، ولا شيئًا يُخترع من جديد. كانت شيئًا يُبنى—ببطء، حين يتوقف الإنسان عن الهروب من نفسه.
لم تكن الهجرة، في جوهرها، انتقالًا من مكان إلى آخر. كانت، عند كثيرين، محاولة صامتة للنجاة من الذات.
هكذا بدأ «بشير» رحلته منذ ثلاثين عامًا، حين ترك اسمه على عتبة الطائرة، وولد باسم آخر: «بيتر».
لم يكن ذلك قرارًا إداريًا، بل فعلًا وجوديًا. أن تغيّر اسمك… يعني أن تعيد تعريف نفسك أمام العالم.
لكن الخطر لا يكمن في أن تغيّر تعريفك أمام الآخرين، بل في أن تنجح في إقناع نفسك… أنك لم تكن شيئًا قبل ذلك.
بنى «بيتر» حياته بدقة. عمل، واجتهد، ونجح. تعلّم اللغة حتى صارت أفكاره تُفكَّر بها، لا تُترجم إليها.
ارتدى ملامح المكان الجديد، كما تُرتدى بدلة لا تسمح بأي ارتخاء.
أما «أفكار»، فكانت تعرف ما لم يُقال. لم تحاول أن تكون شيئًا واحدًا. كانت تدرك، بفطرتها، أن الإنسان ليس قالبًا جامدًا، بل نهرًا… يحمل أكثر من ضفة.
في البيت، كانت تُعيد خلق مصر، في الطعام، في اللغة، في الحكايات الصغيرة التي تُقال قبل النوم.
وفي الخارج، كانت تنتمي… دون أن تتخلى.
أما الأبناء، فكانوا تجربة حية لفكرة واحدة: كيف يتشكل الإنسان بين عالمين؟ كانوا الإجابة التي لم تُحسم.
الأول… لم يسأل، ذاب في المجتمع الجديد حتى اختفى أثر السؤال.
الثانية… تعلّمت كيف تعبر بين الضفتين.
أما الثالث… فكان السؤال نفسه، لم يستطع أن يختار. لم يكن متمردًا ولم يكن ضائعًا بالمعنى التقليدي، بل كان واعيًا أكثر مما يحتمل. كان هذا الابن فيلسوفا عندما قال للطبيب، كمن يكتشف شيئًا لا يستطيع حمله: “كأنني أرتدي نفسي… ولا أسكنها“.
لم يكن التمزق دائمًا صاخبًا. أحيانًا، كان هادئًا إلى حدٍّ مؤلم.فالهروب من الجذور لا يجعل الشجرة أكثر حرية… بل أكثر هشاشة.
هل يمكن للإنسان أن يعيش بهويتين… دون أن ينقسم؟ وهل الانتماء اختيار… أم اكتشاف؟
ربما لا تكون الإجابة في أن نعود كما كنا، ولا في أن نصبح شيئًا آخر تمامًا. بل في أن نمتلك الشجاعة لنقول: نحن لسنا واحدًا ثابتًا… لكننا أيضًا لسنا شظايا.
نحن رحلة. إذا فهمناها… اتسقنا. وإذا أنكرناها… انقسمنا.
وفي لحظة صامتة، يبقى السؤال الأخير، لا يُقال بصوت عالٍ، لكنه لا يغيب:
من أنا… حين لا أكون مضطرًا أن أكون شيئًا أمام أحد؟





