
في السادس من أبريل عام 2008، شهدت مصر حدثًا محوريًا ربما لم يدرك الكثيرون في حينه حجم تأثيره المستقبلي. ففي ذلك اليوم، استجاب عدد من الشباب المصري الحالم بوطن ينعم بالحرية والكرامة الإنسانية لدعوات عصيان مدني سلمي. كانت الشرارة الأولى قد انطلقت عبر صفحات الإنترنت ومنتدياته، مطالبةً بيوم واحد من التوقف عن العمل والدراسة احتجاجًا على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية في البلاد.
لم تكن مطالب هؤلاء الشباب مبالغًا فيها؛ لقد كانت تعكس إحباط جيل كامل يرى مستقبله يتآكل أمام عينيه، كانت البطالة تنهش في صفوف الخريجين، وكانت مظاهر الفساد المستشري في مؤسسات الدولة تثير الغضب، بينما كانت الحريات العامة مكبلة، وأصوات المعارضة مهمشة. كان الشباب يتوق إلى نظام يحترم آدميته، ويفتح له آفاقًا للمشاركة الفاعلة في بناء وطنه.
استجابت قطاعات من الشباب والعمال لدعوة العصيان، وإن لم تكن بالصورة التي طمح إليها المنظمون. شهدت بعض المدن مظاهر احتجاجية متفرقة، وتغيب بعض العمال عن مصانعهم، بينما اختار آخرون التعبير عن رفضهم الصامت من خلال البقاء في منازلهم. لكن رد فعل النظام كان قاسيًا وسريعًا. قبل وأثناء وبعد يوم السادس من أبريل، شنت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من الشباب الذين تجرأوا على رفع أصواتهم أو حتى التعبير عن تأييدهم للدعوة.
قضى هؤلاء الشباب فترة قاربت الشهرين خلف القضبان، وكان كاتب تلك السطور أحد هؤلاء المعتقلين، ذاقوا خلالها مرارة الاعتقال والتضييق. لكن ما لم يدركه النظام آنذاك هو أن هذه الاعتقالات لم تنجح في إخماد جذور الأمل والتغيير، بل كانت بمثابة الوقود الذي أشعل فتيل حركة جديدة. فمن رحم هذا اليوم الصعب، ولدت “حركة شباب 6 أبريل”، لتعلن عن نفسها كقوة سياسية واجتماعية معارضة تسعى إلى تحقيق مطالب الشباب في الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.
لم تلبث الحركة أن استقطبت الآلاف من الشباب المصري، الذين وجدوا فيها متنفسًا للتعبير عن آرائهم وطموحاتهم، ومنصة للعمل الجماعي من أجل التغيير، واستخدمت الحركة وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة بفاعلية كبيرة في تنظيم فعالياتها وحشد المؤيدين، لتصبح بذلك نموذجًا لحركات الشباب الحديثة في المنطقة.
واستمرت حركة شباب 6 أبريل في مناهضة النظام الحاكم ومشروع التوريث الذي كان يلوح في الأفق آنذاك، كما شاركت بفاعلية في مختلف الفعاليات والاحتجاجات المعارضة، ونجحت في جذب قطاعات واسعة من الشباب إلى صفوفها، ومع تصاعد الغضب الشعبي وتزايد المطالبات بالتغيير، كانت الحركة في طليعة القوى التي دعت إلى ثورة ٢٥ يناير العزيزة.
ولعب شباب 6 أبريل دورًا بارزًا في أيام الثورة الأولى، وتصدروا الصفوف الأمامية في الميادين والشوارع، مطالبين بإسقاط النظام وتحقيق مطالب الثورة، لقد كانوا قوة دافعة للحراك الشعبي، ومثلوا صوت جيل بأكمله يتوق إلى الحرية والكرامة.
لم يتوقف دور الحركة عند هذا الحد، فبعد تنحي الرئيس الأسبق، استمرت الحركة في نشاطها السياسي والاجتماعي، معربة عن قلقها إزاء مسار التحول الديمقراطي، ومطالبة بتحقيق كامل أهداف الثورة. وعندما صعدت جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة، كانت حركة شباب 6 أبريل من أوائل القوى التي عارضت سياساتها، وشاركت بفاعلية كبيرة مع جبهة الإنقاذ الوطني وبقية قوى المعارضة التي سعت إلى إسقاط حكم الجماعة.
إلا أن التحولات السياسية اللاحقة حملت معها تحديات جسيمة للحركة، فبعد الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين، تعرض شباب الحركة لموجة عنيفة من التنكيل والاعتقالات، وتلفيق القضايا، والتشويه الإعلامي، كما اتُهمت الحركة بالعمالة والخيانة والانتماء إلى جماعات إرهابية، وزج بالكثير من شبابها في السجون لفترات طويلة.
اليوم، وبعد مرور سنوات على تلك الأحداث، يمكننا أن ننظر إلى تجربة حركة شباب 6 أبريل بنظرة أكثر شمولية وتوازنًا،فلا شك أن الحركة قد ارتكبت أخطاءً في مسيرتها، وأن بعض تقديراتها للواقع السياسي ربما لم تكن دقيقة دائمًا، كما أن التحديات الداخلية والخارجية التي واجهتها كانت كبيرة ومعقدة.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار الإنجازات التي حققتها الحركة، والدور التاريخي الذي لعبته في تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي المصري، فقد كانت الحركة صوتًا للشباب المهمش، ورمزًا للحرية والتغيير، لقد ساهمت في كسر حاجز الخوف، وشجعت الآلاف من الشباب على التعبير عن آرائهم والمشاركة في الشأن العام.
الأهم من ذلك، أن شباب حركة 6 أبريل كانوا وطنيين مخلصين، لم يسعوا يومًا إلى تخريب الوطن أو تنفيذ أجندات خارجية، فقد كان حلمهم بسيطًا وواضحًا وهو وطن يحترم إنسانية مواطنيه، ويكفل لهم حرياتهم وحقوقهم، ويوفر لهم فرصًا للمستقبل.
إن ذكرى 6 أبريل 2008 ليست مجرد استرجاع ليوم مضى، بل هي تذكير دائم بأهمية صوت الشباب، إنها شهادة على أن بذرة الأمل التي زرعها هؤلاء الشباب في ذلك اليوم الصعب لم تمت، وستظل تلهم الأجيال القادمة في سعيها من أجل عادل.
قد تكون الغمة قد انقشعت نسبيًا في السنوات القليلة الماضية، ولكن يبقى الأثر العميق لتلك التجربة حاضرًا في ذاكرة الكثيرين، إنها قصة جيل من الشباب آمن بحقه في الحلم، ودفع ثمنًا غاليًا من أجل هذا الحلم، وتبقى مسؤولية الأجيال الحالية والقادمة هي البناء على تضحياتهم، والعمل بجد وإخلاص من أجل تحقيق الوطن الذي طمحوا إليه.




