مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: ما بعد إيران..معركة على هندسة النظام الدولي

لا يمكن قراءة تحركات Donald Trump تجاه إيران باعتبارها مجرد تصعيد عسكري عابر، أو حلقة جديدة في سلسلة التوترات التقليدية. ما يجري أعمق من ذلك بكثير: إنه صراع على إعادة هندسة النظام الدولي نفسه.

في هذا الصراع، لم تعد الجغرافيا مجرد خرائط، ولم يعد النفط مجرد سلعة. كلاهما تحوّل إلى أدوات نفوذ، تُرسم عبرها ملامح القوة العالمية الجديدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يقف النفط الإيراني ومضيق هرمز كعقدة استراتيجية بالغة الحساسية—ممر ضيق جغرافياً، لكنه واسع التأثير اقتصادياً، تمر عبره شرايين الطاقة التي تُبقي العالم واقفاً على قدميه.

من إدارة الأزمات إلى صناعة النفوذ

الضربات العسكرية، التفوق الجوي، وتدمير القدرات… كلها، في جوهرها، ليست سوى أدوات مرحلية.
الهدف الحقيقي يتجاوز “إدارة الأزمة” إلى صناعة نفوذ دائم.

ثلاثة محاور تلخص هذا التحول:
•   الإمساك بمفاصل الطاقة الإيرانية
•   التحكم بالممرات البحرية الحيوية
•   تثبيت حضور جيوسياسي طويل الأمد في قلب غرب آسيا

هنا، يتغير المنطق: لم يعد الهدف احتواء الخصم، بل إعادة رسم قواعد اللعبة بالكامل.

واشنطن: الهيمنة أم كلفة التراجع؟

تتحرك الولايات المتحدة وفق معادلة دقيقة:
•   حماية هيمنة الدولار على سوق الطاقة
•   كبح صعود China وRussia
•   إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالحها

لكن المعضلة تكمن في نقطة واحدة:
أي تراجع غير مكتمل لن يُفهم كتكتيك… بل كهزيمة.

وهنا تصبح الهيبة جزءاً من المعركة، لا مجرد نتيجة لها.

أوروبا: قلق الاستقلال تحت المظلة الأمريكية

أوروبا تعيش حالة ارتباك استراتيجي، خاصة مع تصاعد الشكوك حول مستقبل NATO.

ثلاثة هواجس تفرض نفسها:
•   أمن الطاقة
•   استقلال القرار العسكري
•   دور أوروبا في إدارة الأزمات

وبين هذه العوامل، تجد أوروبا نفسها مضطرة للتحرك—ليس حباً في المواجهة، بل خوفاً من كلفة الغياب.

الصين وروسيا: الاستثمار في الاستنزاف

بالنسبة لـ China وRussia، المشهد يبدو كفرصة استراتيجية:
•   استنزاف الولايات المتحدة على المدى الطويل
•   بناء شبكات نفوذ بديلة
•   التمدد في مناطق الفراغ الجيوسياسي

الصين تتحرك بدافع الطاقة،
وروسيا تتحرك بدافع التوازن.

لكن الهدف المشترك: عالم أقل أمريكية.

العالم العربي: توازن على حافة القلق

الدول العربية، خصوصاً الخليجية، تقف في منطقة رمادية:
•   لا تريد انهيار إيران
•   ولا تحتمل تصاعد نفوذها
•   وتعتمد اقتصادياً على استقرار السوق

لذلك، تتبنى سياسة “خفض المخاطر”، لا “حسم المواقف”.

إنه توازن دقيق… وأي خطأ قد يكون مكلفاً.

تركيا: براغماتية تحت الضغط

تتحرك Turkey وفق حسابات دقيقة:
•   تجنب الانخراط العسكري المباشر
•   استثمار موقعها كممر للطاقة والتجارة
•   الحفاظ على هامش مناورة بين القوى الكبرى

لكن في حال اتساع الصراع، قد تتحول هذه المرونة إلى اختبار صعب بين المصالح والتحالفات.

إسرائيل: إعادة تشكيل البيئة الأمنية

تنظر Israel إلى التصعيد كفرصة:
•   ضرب التهديد الإيراني في العمق
•   إضعاف Hezbollah
•   توسيع مفهوم الردع إلى ما وراء الحدود

ما يجري ليس دفاعاً فقط… بل إعادة صياغة كاملة للبيئة الأمنية المحيطة.

الحوثيون: حين تتحول الحرب إلى شبكة

دخول الحوثيين يغيّر طبيعة الصراع:
•   تهديد الملاحة الدولية
•   تشابك الجبهات
•   تعقيد أي حل سياسي

نحن أمام حرب شبكية، لا جبهة واحدة.

الحرس الثوري: قلب المعادلة الإيرانية

يبقى Islamic Revolutionary Guard Corps مركز الثقل:
•   عمود النظام
•   أداة النفوذ الخارجي
•   محرك المواجهة

وأي استهداف له يعني تغييراً بنيوياً… لا مجرد ضربة عسكرية.

ثلاث نهايات محتملة

المشهد مفتوح على ثلاث مسارات:
1. استنزاف طويل يُضعف إيران تدريجياً
2. انسحاب أمريكي يفتح باب الفوضى
3. تسوية مؤقتة بلا حسم

لكن أياً يكن المسار، فالكلفة ستكون موزعة على الجميع.

الخلاصة: من يكتب قواعد العالم القادم؟

ما يجري ليس حرباً على إيران فقط.
إنه صراع على من يضع قواعد المرحلة القادمة.

النفط…
الممرات البحرية…
التحالفات…

كلها أدوات في معركة أكبر:
معركة إعادة تشكيل النظام الدولي.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: من سينتصر؟
بل: من سيخرج بأقل الخسائر… من معركة لا يملك أحد السيطرة الكاملة عليها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى