
ليس سؤالًا طارئًا على الفكر السياسي، ولا صيحةً وُلدت من ضيق اللحظة. هذا العنوان حمله من قبل فلاديمير إيليتش لينين في مطلع القرن العشرين، حين كتب نصه الشهير «ما العمل؟» بحثًا عن طريق للخروج من أزمة الحركة الثورية الروسية. قبله، انشغل كارل ماركس بالسؤال ذاته في جوهر مشروعه، دون أن يصوغه عنوانًا مباشرًا. منذ ذلك الحين، صار السؤال علامة على اللحظات الحرجة التي يتقدّم فيها الفعل على التنظير، وتطلب فيها الوقائع إجابة لا تحتمل التأجيل.
استدعاء هذا السؤال اليوم لا يأتي استحضارًا لمدرسة بعينها، ولا استعادة لوصفة جاهزة، بل إدراكًا بأن الأزمات الكبرى، مهما اختلفت سياقاتها، تُعيد طرح السؤال نفسه بصيغ جديدة. الفارق الوحيد أن الإجابة لم تعد حكرًا على أيديولوجيا، بل باتت اختبارًا لقدرة المجتمعات على إعادة تعريف علاقتها بالسلطة، وبالمعنى، وبالمستقبل.
تتزاحم الأسئلة في زمنٍ تتراجع فيه الإجابات، وتتقدم الوقائع على المعاني. مشهدٌ يبدو مستقرًا في ظاهره، لكنه يموج في أعماقه بتصدعات لا تُرى. دولةٌ تبدو أكثر قدرة، ومجتمعٌ يبدو أقل حضورًا. سلطةٌ تتسع أدواتها، وشرعيةٌ تتآكل مصادرها. هنا، لا يعود السؤال ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية: ما العمل؟
المشهد لم يعد مجرد توازنات سياسية قابلة للتعديل، بل بنية تُعاد صياغتها من الداخل. سلطة تعيد تعريف نفسها خارج منطق المشاركة، ومجال عام يُعاد رسم حدوده بدقة، وأحزاب فقدت دورها كحامل لمشروع، وتحولت إلى ظلٍّ في لوحة أكبر منها.
التعددية لم تختفِ، لكنها تحوّلت إلى زخرفة سياسية. حضورٌ بلا أثر، ووجودٌ بلا قدرة على التغيير. اختلافات شكلية تُخفي وحدة في القرار، وتنوعٌ في اللافتات يُخفي مركزية في المعنى.
الانتخابات، التي كانت وعدًا بالتغيير، صارت آلية لإدارته. لم تعد تُنتج مفاجآت، بل تُنظّم التوقعات. المواطن يذهب إلى الصندوق، لا ليختار المستقبل، بل ليُصادق على حدوده.
الثقة لم تتآكل فجأة، بل تراجعت ببطء، مع كل تجربة لم تُثمر، ومع كل وعد لم يُترجم. حتى صار السؤال الحقيقي ليس: من يفوز؟ بل: هل يتغير شيء؟
خارج الحدود، تتشكل تحالفات باردة، تُدار بعقل الحساب لا بحرارة القناعة. الإقليم يتجه نحو تهدئة محسوبة، لا لأنها أنهت خلافاتها، بل لأنها أدركت كلفة استمرارها. استقرارٌ بلا مصالحة، وهدوءٌ بلا جذور.
داخل الحدود، يتكثف الضبط. المجال العام يُعاد تشكيله لا بإغلاقه، بل بتقنينه. الصوت مسموع، لكن مداه محدود. الحضور متاح، لكن أثره محسوب.
الفضاء الرقمي فتح نافذة، لكنه لم يكسر الجدار. وعيٌ يتسع، ومشاركةٌ لا تزال محاصرة. كلماتٌ تتكاثر، وقراراتٌ تظل بعيدة عن أصحابها.
الاقتصاد صار النص الحقيقي للسياسة. الدين العام ليس رقمًا، بل قيدًا يلتف حول القرار. كل التزام مالي جديد يُعيد ترتيب أولويات الدولة، ويضيق هامش استقلالها.
التضخم لا يرفع الأسعار فقط، بل يعيد توزيع الألم. طبقاتٌ تُثقل، وأخرى تتماسك، في معادلة صامتة تُعيد رسم موازين القوة داخل المجتمع.
الإصلاح الاقتصادي، رغم ضرورته، فقد لغته السياسية. المواطن لا يراه مشروعًا يخصه، بل عبئًا يُفرض عليه. يتحمل الكلفة، دون أن يُستشار في المسار.
العدالة غابت عن سردية الإصلاح، فغاب معها الإقناع. كل سياسة لا تُشعر الناس بإنصافها، تتحول إلى عبء نفسي قبل أن تكون عبئًا اقتصاديًا.
الدولة تبدو أكثر قدرة على الفعل، لكنها أقل قدرة على الاحتواء. قوة التنفيذ تعلو، وقوة التوازن تتراجع. استقرارٌ يُبنى بسرعة، لكنه يفتقد العمق.
العقد الاجتماعي لا يُعلن انهياره، لكنه يتآكل. الفجوة بين التوقعات والواقع تتسع، ومعها تتراجع الثقة، ويبهت الشعور بالشراكة.
ما العمل إذن؟ ليس استدعاء نصٍ قديم، بل كتابة إجابة جديدة. ليس استنساخ تجربة، بل ابتكار مسار. إعادة تعريف السياسة بوصفها عقدًا، لا إدارة، واستعادة المشاركة كشرط للاستقرار، لا كزينة له.
ما العمل؟ إعادة بناء المجال العام، لا بإلغائه أو احتكاره، بل بتحريره. إطلاق حوار حقيقي حول الإصلاح، يشارك فيه من يدفعون كلفته، لا من يقررون وحدهم مساره.
ما العمل؟ إعادة الاعتبار للأحزاب كمشروعات، لا كأطر. تحريرها من كونها أدوات، لتصبح مرة أخرى حوامل للأفكار والبدائل.
ما العمل؟ تحويل الاقتصاد من أداة ضغط إلى أداة عدالة. ربط الإصلاح بالإنصاف، وربط الأرقام بحياة الناس، لا بتقارير المؤسسات.
ما العمل؟ إعادة التوازن بين القوة والشرعية. دولة قوية، نعم… لكنها قوية بثقة مجتمعها، لا فقط بأدواتها.
ما العمل؟ استعادة الإيمان بأن الاستقرار لا يُفرض، بل يُبنى، وأن المستقبل لا يُدار، بل يُصنع بالشراكة.
الإجابة ليست شعارًا، بل مسار. مسار يبدأ من سؤال، لكنه لا ينتهي عنده… بل يبدأ منه.







