مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: في محراب الهدنة الهشة.. أبريل 2026 وقلق المصير!

يستيقظ العالم في الثامن من أبريل 2026 على سكونٍ مريب، سكونٍ لا يشبه طمأنينة السلام، بل يجسد حيرة القلق. لقد أطبق “أبريل الأسود” بفكيه على عنق الاستقرار العالمي، محولاً مضيق هرمز من شريان للحياة إلى ساحة للصراع الوجودي، حيث باتت الملاحة الكونية رهينة لقرارٍ طائش يولد خلف شاشات الرادار الباردة.
لم تكن هذه الهدنة التي أعلنها “البيت الأبيض” ثمرة لرؤية دبلوماسية حالمة، بل كانت “انحناءة اضطرارية” أمام جبروت “قيد الذهب”. حين قفزت أسعار خام برنت فوق حاجز الـ 112 دولاراً، أدرك الكبار أن احتراق آبار النفط يعني احتراق مدخرات شعوبهم ورصيدهم السياسي.
لقد كانت الهدنة “استراحة محارب تقنية” فرضتها “سلطة المال” لتفريغ شحنة الغضب الاقتصادي قبل أن يتحول الركود العالمي إلى حقيقة لا يمكن الرجوع عنها.

خلف أبواب قمة إسلام آباد، لا يدور النقاش حول الكلمات، بل حول “السيادة” المتخفية في ثنايا النصوص. نحن أمام “حوار طرشان” بامتياز؛ فبينما يتمسك البيت الأبيض بـ “النسخة الإنجليزية” التي تفرض تفكيك القدرات الإيرانية كشرطٍ للبقاء، تروج طهران عبر إعلامها لـ “نسخة فارسية” تصف الهدنة بأنها خضوع أمريكي لشروط “خطة النقاط العشر” واعتراف دولي بحق التخصيب. هذا الانفصال عن الواقع يجعل من الهدنة “شيكاً بدون رصيد”، قد ينفجر عند أول محاولة لصياغة مسودة نهائية موحدة.
وبينما يسود صمتٌ حذر في “المركز” بين واشنطن وطهران، يظل “ثقب لبنان الأسود” يبتلع وعود التهدئة.

ترى إسرائيل في هذه الهدنة “فرصة عملياتية” للاستفراد بساحة الشمال وتفكيك بنية حزب الله التحتية، مراهنةً على أن “الرأس الإيراني” سيفضل النجاة السيادية على التضحية من أجل “وحدة الساحات”. إن استمرار هذا النزيف في الأطراف قد يجعل الهدنة مجرد “موت سريري” ينتظر صاعق التفجير القادم من تلال الجنوب.

في قلب هذا الإعصار، يقف “التكتل الرباعي” (مصر، السعودية، تركيا، وباكستان) أمام مرآة التاريخ. لقد نجحوا في هندسة منصة للحوار، لكنهم لا يزالون يفتقرون إلى “الجسم الرسمي الضامن” الذي يمتلك أنياباً قانونية وميدانية لفرض السلام. إن التحول من دور “الوسيط الهش” إلى دور “الضامن السيادي الموحد” هو الخيار الوحيد لتجنب سيناريو الانهيار التكتيكي وعودة عملية “الغضب الملحمي” بحدة أكبر تستهدف عصب الحضارة في المنطقة.

إن الأربعة عشر يوماً من عمر الهدنة هي “مساحة تنفس” في غرفة الإنعاش الدولية. فإما أن تثمر هذه المهلة عن “إعادة صياغة سيادية” تنصف شعوب المنطقة وتؤمن مستقبلها، أو أننا ننتظر يوم العشرين من أبريل لنشهد انقضاء مهلة العقل، حيث ترسم الطائرات القاصفة والصواريخ الباليستية وأسعار النفط حدوداً جديدة للدمار.
إن الرهان الحقيقي ليس على ما سيحدث في إسلام آباد فحسب، بل على مدى وعي القوى الإقليمية بأن “السلام” لا يُمنح كمنحة من القوى العظمى، بل يُهندس ويُفرض كواقع لا يمكن تجاوزه.

نحن لا ننتظر نهاية الهدنة فحسب، بل ننتظر لنعرف: هل تعلم الإنسان من مأساة أبريل الأسود كيف يصنع سلاماً شجاعاً، أم أن غريزة الدمار لا تزال هي المحرك الأقوى للتاريخ؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى